لعل إصرار الشيخ عثمان بن حمد الحقيل على التعليم لإيمانه بأن التعليم يقود إلى التغيير الشخصي المفضي إلى التغيير الاجتماعي، ويرى أن من الحكمة الالتزام بالعلم، وتطبيقه على الحياة، وذلك للدخول في عالم الغد، فلقد كان على مدى إنجازه الفردي وتطلعه المستقبلي يؤمن بالعلم طريقًا ومنتهى ووسيلة وغاية ومكونًا من مكونات الغد

في إحدى زوايا مكتبته الخاصة، التي أهدى جزءًا منها إلى مكتبة الملك فهد الوطنية في الرياض، والجزء الآخر إلى كلية جبرة العلمية بالخرطوم، يتحدث الشيخ عثمان بن حمد الحقيل عن الكتاب والحب الكبير الذي يكنه لمكتبته، والمستقبل الذي يرجوه للثقافة بشكل عام.

كنا في ذلك الوقت ما بين عامي 2013 - 2014م في حوارات ثقافية ننسج من خلالها قصة فصول حياته، التي تحولت فيما بعد إلى مؤلف ثقافي هو اليوم في أحد أرفف مكتبته الخاصة.

فعندما نقف على أشكال التجارب التي خاضها الشيخ عثمان بن حمد الحقيل، يأتي التعليم على رأس تلك التجارب، فعلاقته مع التعليم ليست وليدة الأمس القريب، بل تعود إلى أكثر من نصف قرن.

فقد عايش التحولات التي مر بها التعليم في مدينته المجمعة، ولم يكن مجرد شاهد عليها، بل كان أحد الذين نسجوا خيوط القصة التعليمية على مستوى المدينة.

فقد كان التعليم بمفهوميه التوعوي والتربوي القضية المحورية التي لازمت حياته وشغلت تفكيره، وكانت التجارب العلمية التي مر بها ما بين الكتاتيب ومدارس وحلقات المساجد والتعليم النظامي - تقوم بوظيفة اجتماعية؛ وهي إعداد الطفل ليصبح مهيأ في المجتمع، ما يقتضي التركيز على معارف معينة يحتاجها الطفل للتجاوب مع حياة المجتمع وظروف البيئة، وهو عبارة عن نقل تجربة الأجيال إلى ذلك القادم الجديد، لكي يصبح جزءًا من المجتمع، والتركيز الأساس إنما هو على الحفاظ على شخص الطفل أولًا وعلى كيان المجتمع ثانيًا.

ومن هنا فإن عملية التعليم المتدرجة التي عاش مراحلها وتفاصيلها الشيخ عثمان بن حمد الحقيل هي تأكيد على أن التعليم كان مؤسسًا في جانبه غير النظامي على قاعدة تربوية وعلمية، وفي جانبه النظامي على فلسفة تربوية تتشكل في مواصفات المدرسة الحديثة.

فقد كان التعليم البنية الحقيقية التي صاغت حياته، وكانت حلقات ومدارج التعليم تستهويه منذ الصغر، وعندما شب أدرك تأثير التعليم في حياته وصناعة مستقبله.

كان مجتمع المجمعة يشكل حضورًا علميًا قويًا، وكان حلقة رئيسة في تشكل الوعي العلمي، والسند الأساس لحركة التعليم في المدينة، فلقد عرفت المدينة مختلف أنواع التعليم منذ وقت مبكر، سواء التعليم عن طريق الكتاتيب، أو التعليم النظامي العام أو الأهلي أو العسكري أو الزراعي أو حتى الحديث.

كانت المجمعة في السبعينيات الميلادية تتحرك لكي تدخل مرحلة جديدة، فموقعها الاستراتيجي جعل منها حلقة وصل ما بين الشمال والجنوب والشرق والغرب.

فالمدينة عبر مراحلها الزمنية تمتلك إرثًا حضاريًا متنوعًا وملامح مستقبلية شكلت الأساس الحقيقي لروح المدينة الحديثة.

كل هذه المعطيات أهلت مدينة المجمعة لأداء دور حضاري قوي، شكلت أساسًا لمرحلة جديدة كان التعليم أحدها، وكانت ثماره جامعة المجمعة.

ولعل إصرار الشيخ عثمان بن حمد الحقيل على التعليم لإيمانه بأن التعليم يقود إلى التغيير الشخصي المفضي إلى التغيير الاجتماعي، ويرى أن من الحكمة الالتزام بالعلم، وتطبيقه على الحياة، وذلك للدخول في عالم الغد، فلقد كان على مدى إنجازه الفردي وتطلعه المستقبلي يؤمن بالعلم طريقًا ومنتهى ووسيلة وغاية ومكونًا من مكونات الغد.

ومن هنا كانت تجربة الشيخ عثمان بن حمد الحقيل حرية بالاهتمام؛ حيث تتنوع حياته ما بين مختلف الجوانب الاجتماعية والعلمية والثقافية والأدبية، ويتقاسم الوقت عنده ما بين مختلف الاهتمامات، وقد نقول إن حياته مزيج ما بين الحياة الاجتماعية والثقافية والعلمية.

فقد كان له حضور دوري مع أصحاب الفضيلة العلماء؛ حيث كان يحضر جلسة العلماء التي كان يعقدها الملك فيصل ثم الملك خالد ثم الملك فهد.

ورغم الإقرار مبدئيًا بتنوع شخصيته وسعة أفقه، إلا أن النزعة التربوية كانت الصبغة الغالبة على حياته.

لقد أحدث تغييرات نوعية أدخلها على مجتمع التعليم في المجمعة، هذه النقلة على المستوى التعليمي يقابلها عنده وعي على المستوى الثقافي.

إن ما يلفت النظر في شخصية الشيخ عثمان بن حمد الحقيل بساطته وتواضعه،

فقد كان على درجة عالية من الإنسانية والنبل الأخلاقي، فالسلوك الإنساني يمثل جوهر علاقاته وتعاملاته، التي تنبثق من فطرته الإنسانية، التي هي متجذرة في شخصيته، وتحولت إلى كم من المعاني النبيلة والمبادئ الإنسانية، التي تصل إلى حد النموذج المثالي للإنسانية، التي تظل استثناء في الحياة الإنسانية، لا يطيق تكاليفها إلا من فطر ضميره على الإنسانية.

فقد كان السلوك الإنساني للشيخ عثمان بن حمد الحقيل متسقًا مع الطابع الأخلاقي، ومنسجمًا مع نظرته، ومتفاعلًا مع شخصيته، ذلك أن معيار الإنسانية لديه لا يقوم على اعتبارات فئوية أو اجتماعية أو قرابية، وهذه الصفة لازمت حياته نظريًا وعمليًا، فقد تجلت فيه ملامح الرجل النموذج في أوضح صورها، وكانت نتاج رؤية أخلاقية متماسكة.

واليوم غادرنا الشيخ عثمان بن حمد الحقيل وترك لنا تراثًا إنسانيًا وعلميًا فريدًا.