التقنية هي الطرق والوسائل وليست المواد المنتجة أو الأجهزة التي بين أيدينا، أي أنها العلم الذي بنيت على أساسه كل منتجات الحضارة التي نراها، فالحاسب الآلي (الكمبيوتر) مثلًا هو نتاج لتقدم علم الإلكترونيات وعلم الهندسة الكهربائية والفيزياء..

كان نقل التقنية (التكنولوجيا) الذي بدأ عالميًا في أواخر الستينيات الميلادية أهم التحديات الني جابهتا الدول النامية بنجاح فقد خاضت تلك الدول كفاحًا مضنيًا للأخذ من التقنية بنصيب تحدده قدرتها وحاجتها وظروفها وحدود إمكاناتها تأخذه بخيارها غير مفروض عليها ولا نظن أن أحدًا لا يدرك الأهمية الكبيرة للتقنية على الدول النامية.

فالتقنية ثمرة العلم الرياضي والتجريبي والمختبري والطبيعي وهي للبشرية باختلاف أجناسها ومعتقداتها لا يستأثر بها مجتمع دون مجتمع وحضارة دون أخرى وهي مجموعة وسائل محايدة تستطيع الدول أن تخضعها للاستخدام الذي تريده رغم أن هنالك من يعتقد بأن في نقل التقنية مخاطر لا بد من التحسب لها والعمل على تجنبها.

وقد حدث هنالك انقسام بين مجتمعات الدول النامية في فهم أصل التقنية والصلات السببية التي تربط التقنية بالفكر فهنالك من فهم التقنية فهمًا فنيًا كاليابان وتايوان مثلًا ومنهم من نظر إليه من زاوية فكرية كالصين وإن كانت تلك النظرة تغيرت لدى الصينين تبعًا لتطور التاريخ وذلك بعد أن تعرضت تلك القضايا والمسائل القديمة للنقد المنهجي.

ومن هنا فإن الاعتقاد الذي ساد في أواسط بعض مجتمعات الدول النامية بأن نقل التقنية هو نقل للفكر المجرد هو اعتقاد غير صحيح وهو ما عبر عنه المفكر جون لوك بأن الأفكار تظهر عند الناس تبعًا لخبراتهم العملية وما التقنية إلا مجرد وسائط لتيسير الحياة.

ونقل التقنية موضوع علمي كبير وجديد ومتداخل الأغراض يسهم فيه علماء الهندسة والفلسفة والاجتماع والجغرافيا وعلم النفس والسياسة وآخرون كما يسهم فيه المهتمون بالحياة العامة.

وأمام هذا الواقع شكل نقل التقنية فكرة محيرة وغامضة وفي ذروة الجدل الذي أثاره نقل التقنية هيمن على قضية نقل التقنية موضوعان مهمان: موضوع نقل التقنية المجردة من العلوم (الأجهزة والآلات والمعدات).. وموضوع العلوم المصاحب للتقنية (العلوم التي تقوم عليها التقنية).. وقد كان كلا الموضوعين مثار نقاشات حادة وأحكام متباينة ووجهات نظر مختلفة ومفاهيم ينقض أحدها الآخر.

فهنالك من يعتقد أن التقنية ظاهرة فكرية لا تقتصر على التقنية وحدها بل تتجاوزها إلى مجالات أخرى وكان هذا الاعتقاد وراء الصعوبات التي اعترضت نقل التقنية ومن هنا جاء تحفظ بعض الدول على نقل التقنية. واليوم كل هذا أصبح ماضيًا فجميع الدول تتفق على أن نقل التقنية يشكل عصرًا جديدًا.

ولكن ماذا يعني نقل التقنية؟

سوف نحاول الاقتراب من هذا السؤال من خلال رؤية نشرها د. عبدالرحمن عبدالله يماني في مجلة المبتعث في واشنطن والذي كان حينها طالبًا مبتعثاً من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن تحدث فيها عن ضرورة التأكيد على العلوم التي تقوم عليها التقنية قبل الأجهزة والمعدات.. مضيفًا أن التقنية كما يعرفها قاموس ويبستر هي: مجموعة الطرق والوسائل المستخدمة لإنتاج وتصنيع المواد اللازمة لبقاء الإنسان وراحته ورفاهيته أو لتقديم الخدمات اللازمة له.

من هذا التعريف نرى أن التقنية هي الطرق والوسائل وليست المواد المنتجة أو الأجهزة التي بين أيدينا أي أنها العلم الذي بنيت على أساسه كل منتجات الحضارة التي نراها، فالحاسب الآلي (الكمبيوتر) مثلًا هو نتاج لتقدم علم الإلكترونيات وعلم الهندسة الكهربائية والفيزياء.

ولكن لماذا ننقل التقنية؟

إن كل دولة تسعى لتحسين مستوى معيشة الفرد فيها وهذا يستدعي زيادة الإنتاج الذي يعتمد على تحسين أساليب ووسائل الإنتاج مما يعني في كثير من الأحيان تغييرًا في الفن الإنتاجي ولذا تضع كثير من البلدان خططًا للتنمية تعتمد على استخدام الوسائل الحديثة مما يحقق فوائد كثيرة في شتى الميادين.

فمثلًا استخدام الوسائل الطبية ساعد في القضاء على كثير من الأمراض والأوبئة فأدى ذلك إلى تحسين الحالة الصحية للمجتمع والدول التي بها نقص في الأيدي العاملة تغير أسلوب إنتاجها باستخدام الآلية AUTOMATION ويعني ذلك إدماج المراحل الإنتاجية في سلسلة متصلة على نحو آلي ودون تدخل الإنسان فيما بين هذه المراحل الإنتاجية بعد تدريب أبنائها تدريبًا فنيًا عاليًا وبذلك يستطيع عدد قليل بهذه الطريقة أن ينجزوا ما يحتاج إلى المئات بالطرق التقليدية القديمة لإنجازه.

وفي مجال الزراعة نجد أن استخدام الطرق والآلات الزراعية الحديثة ساعد على زيادة إنتاجية الأرض مع تخفيف العبء على الحيوانات وتحويلها إلى الإنتاج الحيواني بدلًا من استخدامها كمصدر للطاقة في الأعمال الزراعية وفي الصناعة فإن المصانع تبنى لكي تقوم ببناء الأجهزة والمخترعات الحديثة التي تستخدم في شتى المجالات الأخرى ولكن هذا كله يعتمد على العلم والمعرفة.

ولذلك نرى بعضًا من أبناء الدول النامية يدرسون المواد العلمية والفنية في البلدان المتقدمة صناعيًا ولكن نجد أن ما يتم التركيز عليه من هذه البلدان النامية هو نقل منتجات التقنية الحديثة فنجد أن الأجهزة المقدمة تتدفق إلى بلد ما ولكن العلوم التي بنيت على أساسها هذه الأجهزة لا تنقل إلى هذا البلد بنفس القوة وذلك بسبب سوء الفهم الشائع بأن وجود أجهزة حديثة يعني وجود التقنية.