التيار الليبرالي العربي بشكل عام يرى أن تفعيل المبادئ الليبرالية في المجتمعات سوف يقود إلى وعي حضاري جديد.. لذلك بنى رؤيته على فرضيات أولية تعتبر الواقع العربي واقعًا متأخرًا عن مسارات العصر، وأن الحل يكمن في تبني النموذج الأوروبي باعتباره يقوم على عناصر التحديث..

جاءت بدايات الفكر الليبرالي في العالم العربي مع ما يعرف بمحاولات الإصلاح المتلاحقة التي تبناها العالم العربي، التي اقتبسها أو نقلها من المناهج والنظم الأوروبية، وذلك على ثلاث مراحل تاريخية.. ففي المرحلة الأولى، والتي بدأت مع منتصف القرن التاسع عشر هيمن اتجاهان فكريان على الفكر الليبرالي.

الاتجاه الفكري الأول: وقد أسس برنامجه الإصلاحي على تأصيل القيم الجديدة وتطوير وتحديث المؤسسات الاجتماعية والتعليمية وبناء المؤسسات الاقتصادية والعسكرية الحديثة.. ويرى هذا الاتجاه الفكري الاستفادة من معطيات الحضارة الحديثة وذلك بالتوفيق ما بين الدين والعلم.

أما الاتجاه الآخر فقد ركز برنامجه الإصلاحي على الديموقراطية وتحرير العقل من التقاليد وتطوير الوعي وإصلاح التعليم.

وقد رأى أصحاب هذين الاتجاهين الفكريين في الغرب نموذجًا مثاليًا للتنمية وتحديث الحياة وفق التقاليد الليبرالية الأوروبية.. واعتبرا أن المصدر الأساسي لبناء الحداثة يقوم على الفكر الأوروبي في محاولة إلى إحالة التراث العربي إلى قراءات نقدية مستمدة من أصول المنهجية العلمية الغريبة الحديثة.

فالتيار الليبرالي العربي بشكل عام يرى أن تفعيل المبادئ الليبرالية في المجتمعات سوف يقود إلى وعي حضاري جديد.. لذلك بنى الفكر الليبرالي العربي رؤيته على فرضيات أولية تعتبر الواقع العربي واقعًا متأخرًا عن مسارات العصر وأن الحل يكمن في تبني النموذج الأوروبي باعتباره يقوم على عناصر التحديث.

أما المرحلة الثانية، فقد بدأت في الثلث الأخير من القرن العشرين وحتى بداية الألفية الثالثة وبرغم أن الصوت الليبرالي خفت في بداية هذه المرحلة بسبب هيمنة الفكر القومي على الساحة السياسية والفكرية في العالم العربي والذي حمل رؤية مغايرة ومتحدية للطرح الليبرالي.. حيث بنى أطروحاته على التحرر من الاستعمار وبناء الواقع الوطني على أساس قومي مؤكدًا على مفهوم الوحدة القومية وحضور الشخصية العربية حضورًا تاريخيًا ولذلك ارتبط مفهوم النهضة في ذهنه بالمشروع القومي.

إلا أن الليبرالية لم تختفِ من الساحة تمامًا بل ظلت مرتبطة بشخصيات معارضة ما لبثت أن برزت بقوة مع أواخر سبعينات القرن العشرين نتيجة للتحولات التي حدثت في بعض دول العالم العربي، حيث ظل التيار الليبرالي في هذه المرحلة يسير على نفس مبادئ الخطاب الليبرالي للمرحلة الأولى مع إضافة مبادئ الواقعية السياسية في التعامل مع المنظومة الدولية.

وفي المرحلة الأخيرة وهي المرحلة الحالية ساعدت التحولات الدولية على غلبة المنظور الليبرالي ببعديه السياسي والاقتصادي على المستوى العالمي، مما جعل الخطاب الليبرالي أكثر جرأة في طرح مشروعه مع استمراره على نهج التيارات الليبرالية السابقة، حيث لم يخرج عن الرؤى الفكرية التي طرحت سابقًا كالاعتراف بالواقعية السياسية، وألا حل للصراع العربي إلا بالحوار والمفاوضات والوقوف إلى جانب العولمة وتأييدها باعتبارها إحدى الطرق الموصلة إلى الحداثة الاقتصادية العربية التي بدروها يمكن أن تقود إلى الحداثة السياسية والثقافية وإخضاع التراث والقيم الأخلاقية للنقد المؤسس على العقلانية.

وإن كان د. عبدالله العروي يرى أن الليبرالية العربية قد مرت بأربع مراحل:

مرحلة التكوين: حيث كانت في مواجهة الفلسفة الغربية المرتكزة على مفهوم الفرد ومفهوم الذات وقد كان المفهوم الأساسي في هذه المرحلة هو مفهوم الذات.

مرحلة الاكتمال: حيث كانت الأساس الذي شيد عليه علمان عصريان هما: علم الاقتصاد وعلم السياسة النظرية.

مرحلة الاستقلال: حيث نزعت الليبرالية من أصولها كل فكرة تنتمي إلى الاتجاه الليبرالي بعد أن أظهرت الثورة الفرنسية أن بعض أصول الليبرالية قد تنقلب عند التطبيق إلى عناصر معادية لها.

مرحلة التقوقع: حيث أصبحت محاطة بالأخطار وأن تحقيقها صعب إن لم يكن مستحيلًا بما تستلزم من مسبقات غير متوفرة لدى البشر في غالب الأحيان.

وإذا كانت هذه هي المراحل التي مرت بها الليبرالية العربية فإنها على الرغم من ذلك - بحسب المفكر حسين معلوم - لم تكن وفية أبدًا لأصولها، فالليبراليون العرب أولوا أفكارًا غير ليبرالية تأويلًا ليبراليًا كما فعلوا بالتراث وبالمذهب الماركسي وبالمدرسة الوجودية وبالفكر القومي مثلًا.. فقد كان كل مذهب يؤكد فكرة الحرية صالحًا للنهج التحرري، وذلك بغض النظر عن أصوله ومراميه الفلسفية، فقد كان المهم عندهم هو إثبات الحرية في أي لغة تيسرت ولو على خط التبعية.

فالعولمة والليبرالية الجديدة وإن كانت غايتها النهائية اقتصادية إلا أنها منظومة متكاملة ومتشابكة يرتبط فيها الجانب الاقتصادي مع الجانب السياسي، ويرتبطان معًا مع الجوانب الاجتماعية والثقافية، وإن كان الهدف المعلن يتمثل في إيجاد رؤية حضارية موحدة للإنسانية إلا أن الهدف الحقيقي في جوانبه الأخرى هو تحقيق مصالح القوى المهيمنة.