يعيش لبنان مخاضاً مصيرياً قد تتردد تبعاته حتى خارج حدوده، لحظة استثنائية فاصلة ربما تتبعها ولادة لبنان جديد، متخففاً من أعباء الطائفية وتراكمات النزاع الأهلي، وما تلاهما من تقسيم الغنائم بين أمراء الحرب، ما يحدث في لبنان الآن أن جيلاً نجا من أسقام المذهبية، وتعصبات الطائفية، وارتقى إلى معنى الوطن الواسع الذي يحتوي جميع أبنائه دون تقسيم أو معادلات موزونة يتم اعتسافها على حساب الكفاءة والعدالة والمصلحة العليا، جيل يشد عصبه ويوحده مستقبل بلاده، لا ولاء ضيقاً لطائفة أو مذهب، أو حتى دولة أخرى!!.

خرج اللبنانيون لأول مرة ربما بصفتهم لبنانيين أولاً، وخلا الشارع لحسن الحظ من وجوه السياسة القديمة، وخطاب الفئوية المعاكس لمفهوم الوطن الجامع، ولأن مفهوم الوطن الجامع وشعار «لبنان أولاً» لا يستقيم مع رؤية حزب الله لمعنى الوطن الأم، ولأن خطاب المواطنة المتساوية، يهدم البيئة الطائفية التي من دونها لا يتسنى للحزب استثمار العصبيات لحشد جمهوره وراء خياراته الانتحارية، وانتهاج لغة القوة وفائض السلاح لتطويع الدولة، كان متوقعاً أن يخرج حسن نصر الله بهذه الصورة المتوترة في خطابه الأخير، حيث لم ينجح أمين عام حزب الله في إخفاء قلقه من الثورة الجديدة التي كسرت (تابوهات) كانت محرمة تحت سطوة السلاح والتفجيرات المتنقلة، فبدا له الشعار الذي ردده المتظاهرون «كلهم يعني كلهم» رسالة صريحة لا تحتاج إلى ترجمة لولادة وعي جديد، لن تنطلي عليه حجج نصر الله، ومبرراته لتسويق هيمنته على القرار اللبناني، وإلحاق لبنان برمته في مشروعات نظام الولي الفقيه.

يخطئ من يقرأ ثورة الأرز الجديدة في إطار الاحتجاج على التردي الاقتصادي، واستشراء الفساد، فحجم الاحتجاجات الأخيرة وشعاراتها، وقبل كل شيء لبنانيتها الصرفة المنزهة من الفئوية، تشي بسأم اللبنانيين من تدوير الأزمات وإعادة إنتاجها إثر كل موجة احتجاج شعبي، ففي هذه المرة يبدو الشعب اللبناني عازماً على مواجهة أسباب التردي من جذورها، عوضاً عن الاكتفاء بمجابهة أعراضها فحسب، وما ذلك إلا بخلق واقع سياسي جديد خالٍ من آفات الماضي، وتأسيس لبنان جديد لكل اللبنانيين.