أثبتت المملكة أنها مورد الطاقة الأول، والأكثر أهمية وموثوقية في العالم، وأنها قادرة على الوفاء باحتياجات الدول المستهلكة للنفط رغم أي ظروف طارئة، متجاوزة كل التحديات والعقبات التي تعترض طريقها في هذا الشأن، ولم يكن لهذا الأمر أن يتحقق من فراغ، وإنما من صميم حزمة المبادئ والقيم التي تلتزم بها المملكة منذ ظهور النفط في أرض الجزيرة العربية بكميات تجارية في ثلاثينيات القرن الماضي، وعلى رأس هذه المبادئ تأمين الطاقة للجميع بأسعار معقولة ومُرضية للمنتجين والمستهلكين معاً.

ولعل الهجوم الذي تعرضت له منشآت نفطية تابعة لشركة أرامكو السعودية في كل من بقيق وخريص في 14 سبتمبر الماضي وما أعقبه من جهود جبارة بذلتها مؤسسات الدولة لاستعادة القدرات الإنتاجية لما كانت عليه قبل الهجوم يؤكد أن المملكة مصدر أمان واطمئنان للدول المستهلكة والمنتجة، فلم تسعد المملكة مطلقاً بارتفاع أسعار النفط في أعقاب الهجوم بنسبة 14 في المئة، ولم تستغل الأمر لصالحها في تحقيق مكاسب مالية، ولو مؤقتاً، وإنما على العكس تماماً، تعاملت مع الأزمة بمسؤولية وحكمة واقتدار أثمر عن استعادة الطاقة الإنتاجية لما كانت عليه قبل الهجوم في 72 ساعة، محافظة على سمعتها ومكانتها كمصدر آمن للنفط في العالم.

ولفت تعامل المملكة مع هذه الأزمة أنظار دول العالم التي استشعرت مؤثرات "أمن الطاقة"، بعد اعتلاء المملكة صدارة المشهد، إذ تأكد لهذه الدول أن السعودية قادرة على توفير الطاقة لمن يرغبها بطرق احترافية تتماشى مع "الأدبيات المالية" العالمية، وهذا ما أشار إليه الدكتور فيليب فيرليجر -عالم اقتصاد- الذي ظل يكتب عن أسواق الطاقة طوال 40 عاماً مضت، إذ أكد أن المملكة نجحت في تلبية طلبات العملاء، وأن كميات البترول التي كان من المفترض أن تذهب إلى معامل التكرير السعودية تمت إعادة توجيهها لتذهب إلى المستهلكين، ونتيجة لهذا سرعان ما تبددت المخاوف، وانخفضت علاوات المخاطر، بدلاً من أن ترتفع، وتراجعت الأسعار بعد صعودها الجنوني في أول الأزمة.

لقد كانت المملكة ومؤسساتها خلال الـ72 ساعة التي أعقبت الهجوم الجبان على منشآت أرامكو على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقها، فهي قبلت بالتحدي الصعب، فرغم أنها فقدت نحو 50 في المئة من إنتاجها النفطي عقب الهجوم، إلا أنها تجاوزت الصعاب، واستعادت ما فقدته خلال ساعات، يحفزها على ذلك ألا تخسر سمعتها باعتبارها مورّداً موثوقاً وآمناً ومستقلاً للنفط في العالم.