كانت الكاتبة الروسية آيان راند تخاف طوال عمرها من الفوضى، تخشى انصهار الفرد داخل الجماعة بصورة يختفي فيها صوته، ولهذا كتبت هذه الرواية، التي على حجمها الصغير، إلا أنها ترسم مجتمعًا شموليًا مرعبًا، وتدور حول الهوية والحرية الإنسانية، وكيف يمكن للمرء أن يتحلل تحت سلاسل الجماعية.

رواية ترتيلة للكاتبة الروسية آيان راند بترجمة نوف الميموني الصادرة من دار أثر للنشر والتوزيع 2018، تسلط الضوء على مرحلة من تاريخ القمع الإنساني. وذلك بسرد قصة شاب مورس ضده كما الجميع صيغ مختلفة من القمع الاجتماعي لحد إلغاء ذاته، لكنه بأسئلته الوجودية المستمرة، ومحاولاته لنيل ذاته، نجح في الإفلات مع من يحب، بعيدًا عن تلك الظلمة.

(ما لا يُفكر به كل البشر لا يمكن أن يكون صحيحًا)، (ما لا يُصنع بيد الجماعة لا يمكن أن يكون خيرًا..)، كانت هذه قوانين مدينة انصهرت بها الذوات الشخصية لينتج عنها مسخ جماعي، غُيبت به الذات تحت سطوة الشعارات، والقوانين والظلام والخوف، يمضي العمر برجال ونساء لا تُعرف لهم أسماء سوى أرقام ينادون بها، وعبارات تُخاطب الفرد منهم بصيغة الجمع لتغرس في ذهنه فكرة أنه من دون الجماعة مجرد نكرة، إلى أن يقرر أحد أبناء ذلك الشعب التمرد بعد اكتشافه لنفق قاده إلى حياة ظن طيلة عمره أنها مجرد حكاية من الأساطير. أعجبني الأسلوب الذكي في عرض الفكرة، وانتقال الحوار من صيغة الجمع إلى المفرد باللحظة ذاتها التي اكتشف فيها البطل ذاته وتحرر من قيوده.

مقتطفات من الرواية: - - نحن نعلم يقينًا ألا خطيئة أكبر من أن يفكر الإنسان أو يعمل وحده. - لا يجوز لإنسان أن يعتزل البشر، في أي حين وفي أي سبب؛ لأن هذه أعظم معصية وأصل كل شر. - الأسئلة تعيينا، ولا ندري لم تحضنا لعنتنا على البحث عن شيء لا ندري ما هو، نظل نبحث ونبحث دائمًا، ولا سبيل لنا في قمعها.. إنها تهمس لنا أن أشياء عظيمة تحويها أرضنا، وأن من واجبنا معرفتها، ونسأل لماذا نتوق إلى المعرفة؟ لكنها لا تمنحنا أي إجابة، يجب أن نعرف؛ لأننا نريد أن نعرف. - لا علم لدي إن كانت الأرض التي أقف عليها هي مركز الكون، أو إن كانت ليست سوى ذرة تراب ضائعة في الأبدية، لا علم لدي، ولا يشغل الأمر فكري؛ لأنني أعلم أي سعادة ممكنة لي على الأرض، سعادتي لا تتطلب هدفًا ساميًا يسوغها، سعادتي ليست الوسيلة إلى أي غاية، هي النهاية، هي بحد ذاتها الغاية، هي بحد ذاتها الهدف. - أنا لست عدوًا لإخوتي ولست مواليهم، ولكن فيَّ من الاثنين لهم بقدر ما يستحقون مني، ولا يكفي أن يولد إخوتي في هذه الدنيا كي يستحقوا حبي، أنا لا أمنح حبي دون سبب، ولا أمنحه لأي عابر سبيل يرجو أن يستحوذ على حبي. - كلمة نحن لا يجوز ذكرها إلا برغبة الفرد، وأن تكون بالمنزلة الثانية منه، لا يجوز أن تكون هذه الكلمة أول ما يزرع في روح الإنسان، وإلا استحالت وحشًا واصل كل شرور الأرض، وسبب تعذيب الإنسان بيد الآخرين، وإلا صارت الكلمة كذبة لا تسعها الكلمات.