عاش السلطان العثماني عبدالعزيز الأول - رحمه الله - شطرًا من ولايته (1861-1876) في الإسراف والترف، في وقت كانت فيه السلطنة العثمانية تعاني أحوالًا اقتصادية عسيرة أدّت بها إلى الإفلاس.

واختلّت أحوال البلاد العربية في عهد هذا السلطان اختلالًا عظيمًا، وطمِعت فيها الدول الأوربية طمعًا متزايدًا مضاعَفًا، وكان مُقبِلًا على بناء القصور والسرايات، واقتناء الجواري الحِسان.

وعلى أن هذا السلطان العثماني كان نشيطًا وذا ميول إصلاحية في القوانين، ولديه الرغبة الجادة والسعي الحثيث إلى تغيير اتجاه العلاقات الخارجية لبلاده، إلاّ أنّ ميولَه الجارفة إلى إتلاف الأموال في رغباته الشخصية أدّت إلى عَقد المقرّبين إليه عزمَهم على خلعه، واستعانوا على ذلك بمؤسسة الفتوى في السلطنة، فكان لهم ما أرادوه.

عند هذه اللحظة يبدأ الفصل الخاص بالمأساة الشخصية لهذا السلطان الآفل نجمه في تلك الدولة الآيلة إلى الانهيار، ومن هنا تتعدد الروايات وتتشعب.

فيُقال: إنه أصيب بجلطة دماغية لما جاءه نبأ خلعِه، ويُروى أن مَن خلعوه خافوا أن يتيسّر له أن يعود إلى الحُكم مرّة أخرى فتخلّصوا منه، ويُقال إنه لما عُزل جُنّ وصارت تنتابه خيالات باندلاع حرب، وأن البواخر والسفن تطلق النيران على الأعداء!

ويتحدث المؤرخ المتعاطف مع هذا السلطان محمد فريد بك المحامي عما أشيعَ عن هذه المأساة دون أن يقطع بشيء منها، وقد ألممنا بشيء مما ذكره آنفًا، فيقول:

«أما الحقيقة فمغمضة، نترك كشف الستار عنها لمن يأتي بعدنا، ونكتفي بذكر الرواية التي تناقلتها الألسن والجرائد في ذلك الحين».

وهكذا: خرَج السلطان المخلوع إلى الحمّام، ثم إلى البستان، ثم إلى حجرته، ثم طلب من إحدى الجواري مقصًا ومرآةً ليقصّ أطراف لحيته كما كانت عادتُه، فأحضرَت له المقصّ من والدته، ورأى أن أمّه تراقبه، فغضب وأمرها بالانصراف.

وفي أثناء شروع السلطان في قص شعيرات لحيته وتشذيبها حضر بعض أعوانه، فأخذ يسأله عن مهاجمة العدو الوهمية، ثم بدأ يقص عروق ذراعه اليمنى بالمقص، فحاول الرجل الحاضر لديه أن يمنعه من ذلك، ولكنه أبى، فذهب إلى أمّ السلطان وأخبرها. لكن الرجل قد عقد عزمه على الانتحار، فأقفل الشبابيك والأبواب على نفسه، وقطع عروق ذراعه الأخرى، واضطجع حتى تصفّى دمه، وفارق الحياة.

وعلا صراخ الجواري، وأتى الوزراء وشاهدوا الحالة، واستُدعيَت لجنة من مشاهير الأطباء، ومن بينهم أطبّاء سُفراء الدول؛ لإشهادهم على ما جرى.

وعلى أن هذا هو سياق الأخبار التي نقلها محمد فريد بك إلا أنه لم يطمئنّ إلى الرواية، وجعل البتّ فيها مفتوحًا للتاريخ.

وتولّى بعد ذلك في المغرب سلطانٌ آخر اسمه عبد العزيز رحمه الله (1894-1908)؛ وقد أوتي الملكَ صبيًّا، وكان معذورًا بعض الشيء في اختلال أمورِ سلطانه؛ فإنّ الله لم يؤت ملَكة الحُكم في الصبا إلا أنبياءه الأبرار. وتربّى هذا السلطان على الرفاهية والترف، ولمّا اشتدّ عودُه ازداد في الإسراف والترف، وتسلّط على حكمه رجُلان ثائران خارجيّان، أحدهما يدعى «أبا حمارة» والآخر «أبا عمامة».

وفي تلك الآونة كتبَ بعضُ الناس إلى مجلة «المنار» المصرية أنه لم يكن لدى الحكومة في فاس أكثر من ألف جندي، وأن الخزينة مفلسة، وذلك على إثر الدين الذي أخذه السلطان من فرنسا واشترى به من باريس أثاثًا وأواني وأدوات زينة، ثم تسلّمت فرنسا إدارة جمارك طنجة في مقابل ذلك المال المترتب على ذلك!

وأما «أبو الحمارة» فإن له في التاريخ سلفًا ثائرًا شبيهًا في القرن الرابع الهجري، بلقب مشابه، وهو: «صاحب الحمارة»، وكان يُظهر الزهد والورع، وكان بنو عبيد الفاطميون في غاية من الظلم والجور، فخرج عليهم «صاحب الحمارة» هذا في نيف وثلاثين وثلاثمئة من الهجرة، بحسب الذهبي في سير أعلامه، وعندئذ خرَج معه عدد من علماء القيروان، ومنهم الفقيه العباس بن عيسى الممسي المالكي العابد.

ولكن الخارجي «صاحب الحمارة» رجَع وأفسد في البلاد ونهب أموال العباد، وقال للعلماء لما عاتبوه: «نهبكم حلال لنا»، ويقال إنه قال لقادته: إذا قاتلتم الفاطميين فانهزموا عن أهل القيروان، حتى ينال منهم عدوّهم»!

وفي التاريخ عِظاتٌ وعِبَر، ولله في خلقه شؤون.

*باحث وروائي.

أبو حمارة
محمد فريد بك المحامي
السلطان عبدالعزيز بن الحسن