آفة دروس التاريخ نسيانها، يكرر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أخطاءً وقع فيها طغاة سبقوه، وهو يغزو شمالي سورية، يأخذ بلاده إلى زاوية ضيقة ويضعها في مواجهة مع العالم بأسره، وحتى حلفاء المصالح الآنية، لم يتسنّ لهم الدفاع عن هذه الخطوة المتهورة، فخرجوا بانتقادات خجولة تحذر الرئيس التركي من تداعيات عدوانه على الأراضي السورية.

يصر أردوغان على الحسابات الخاطئة، يتخبط بين المواقف ونقيضها، يجرب كل المسارات، وينتهي إلى الوجهة الخطأ دوماً، غير أنه هذه المرة يضع تركيا في مغامرة قد تكلفها ثمناً فادحاً، فلا أحد سيسمح بفتح قمقم الإرهاب مجدداً، وإطلاق ذئاب داعش في المنطقة، ولا أحد سيقبل أن يعمق أزمة اللاجئين بدفع موجة جديدة من الفارين من النيران التركية إلى أحضان دول المنطقة وأوروبا، ولن يقتنع أحد بفتح جبهة جديدة للصراع الأهلي داخل سورية، فيما تتسارع الجهود الدولية لإنهاء هذه المأساة الدامية، وإغلاق بؤرة للفوضى ألهبت المنطقة لنحو عقد.

غزو سورية تحت أي ذرائع مزعومة ليس سوى عدوان صريح وتعدٍ سافر على وحدة واستقلال وسيادة الأراضي السورية، كما بينّ موقف المملكة المبدئي والحازم، وستكون كلفته عالية على نظام أردوغان، ولعل أولى التداعيات المتوقعة تصدع حلفه الهش مع إيران، وخسارة الحليف الروسي، بعد أن كان خسر قبلهما حلفاءه الإقليميين، وانقلب على حليفه التاريخي الأميركي، كما بات عبئاً ثقيلاً على الأوروبيين.

وسيجد أردوغان أنه يخوض معركته وحيداً، وحتى على الجبهة الداخلية، ينفض الجميع عن هذه السياسة الهوجاء التي دمرت الاقتصاد التركي، ورفعت مستويات البطالة، وأودت بالعملة المحلية، وما هو أنكى من ذلك، أدت لخلق صدع عميق داخل المجتمع التركي، وأججت الانقسام الداخلي.

يهرب أردوغان إلى الأمام فيزداد تأزماً، وترتد عليه سياسة القفز على جميع الحبال، أما «نبع السلام» المزعومة فلعل دروس التاريخ التي يصر البعض على نسيانها، تنبئنا بمآلها، والمصير المنتظر لمن يقودهم جنون العظمة إلى النهاية المحتومة في قصة لا يمل تاريخ الطغاة من تكرارها.