يمكن للموسيقى أن تحلق بك في دنيا أخرى، دنيا بعيدة عن الهموم والمشاغل والمكدرات. يمكن أن تشعر أنك تستمع إلى أصوات لا تعرف كيف تصفها، لكنها بالتأكيد تجعلك تشعر بأنك إنسان، سامٍ وراقٍ، وتستوعب الفنون.

شعرت بكل ذلك وأنا أحضر الحفل السيمفوني للملحن والموزع الموسيقي خورخي كالندريللي.

خورخي كالندريللي، هذا الاسم غير المألوف بالنسبة لنا، حائز على ست جوائز جرامي، ورشح مرتين للأوسكار، لحن ووزع أغاني لمشاهير الغناء الغربي مثل توني بينيت، ليدي غاغا، سيلين ديون، مادونا، إلتن جون وآخرين.

كالندريللي برازيلي انتقل إلى الولايات المتحدة في العام 1978، يعمل على مختلف أنواع الموسيقى من البوب والجاز والموسيقى الكلاسيكية.

ذكرني اسمه الأول وأسرته المرموقة بالكاتب الأرجنتيني المفضل لدي خورخي بورخيس. والده كان طبيباً ووالدته عازفة بيانو قديرة وابنة لسياسي معروف.. بدأ الفن كعازف بيانو في فرقة جاز. تعلم البيانو والتوزيع على يد أفضل العازفين والموسيقيين.

عمل أيضاً في مجال الموسيقى التصويرية في السينما والتلفزيون، ولعل الأشهر بينها فيلم اللون الأرجواني للمخرج ستيفن سبيلبيرج.. لديه الكثير من المناصب بالإضافة إلى عمله الموسيقي الحر.

مذهل أن يحضر شخص ليستمع إلى موسيقار لديه كل هذه الإنجازات، وهذه الخبرات وهذه الجوائز، ويستمع إلى الأوركسترا التي يقودها ليدرك أنه محظوظ؛ لأنه تمكن من الاستماع إلى قمة من قمم الموسيقى، وأن الناس لا تدرك أهمية ذلك، وأن الكراسي لم تمتلئ عن آخرها، وأن الناس في العالم الغربي يشبهوننا، ربما لو سوّق هذا الموسيقار نفسه بأنه يشتغل مع الليدي غاغا كان حرص الناس أكبر على الحضور. هو بالطبع أكبر من ذلك بكثير، لكنني أضرب مثلاً.

صديقتي الكندية بيتي آن التي تعمل في مجال إدارة الأعمال وهوايتها تسلق الجبال وحضور المسرحيات والحفلات الموسيقية هي التي دعتني لمصاحبتها، لولا ذلك لفاتني الاستماع إلى هذا الموسيقار الفذ. لأول مرة أشعر أنني أريد أن أستمع إلى الموسيقى من دون الغناء، إلى هذا الحد كانت موسيقاه صافية، إلى درجة أن تمنيت أن يتوقف المغنون، وأن يتركوا الموسيقى وحدها تتحدث.

بدأ العزف على البيانو في سن الرابعة، ويتحدث عن والدته التي كانت عازفة رائعة، وكان يستمع إليها بشغف لا حدود له، يقول: إنه كان لا يعرف أن هناك مهنة تدعى موسيقار، لكنه كان يعرف وهو في هذه السن أن هذا ما يريد أن يصنع في الحياة. كأنني أُهديت هدية، وأنا أشكر الله يومياً عليها. بهذا الامتنان لمعرفته الموسيقى يتحدث كالندريللي. وأنا أيضاً في غاية الامتنان لصديقتي التي عرفتني على هذا الموسيقي، وأعطتني فرصة الاستماع إلى موسيقاه.