هي الأخت التي شاركتك مكان النشأة في ظهر أبيك، أو في بطن أمك، أو في كليهما، التي عاشت معك الحلوَ والمرَّ تحت سقفٍ واحدٍ، ولعبتم معاً في مراتع الصغر، محلُّ ثقةٍ لا تستدعي التحفُّظ، وسندٌ مضمونٌ تجده معك في أحلك الظروف..

لمرأة مخلوقٌ ضعيفُ البنية أبدع الخالق خَلْقَهُ، وأتقن صُنعه، فلم يكن مناسباً للصراع والقتال، والعراك والخصام، بل كان بصفاء روحه الذي يغلب عليه مُنسجماً مع الهدوء والسلم، فالطبيعة الجسدية الشكلية لهذا المخلوق ليست جانباً سلبياً، بل جانبٌ إيجابيٌ يتناغم مع تلك الطبيعة الفطرية الجبلية له، وقد قال الله تعالى (أَوَمن يُنشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين)، وقد وصف الشعراء منذ القدم جسد المرأة وشكلها بأوصافٍ تلامس الحقيقة يطول المقام بذكر تفاصيلها إلا أنها تُنبئ عن مخلوقٍ يختلف في شكله ورسمه وهندامه وقوامه ومضمونه تماماً عن ما يُسمّى الرجل، حيث الرِّقة والنعومة التي تكسو جسدها، والعذوبة والغنوجة التي تصدر من لسانها حين الكلام، ناهيك عن ما تملكه من قلبٍ مُرهفٍ ينبض بالمشاعر والرأفة، وينضح بالأحاسيس والرحمة، هذه هي المرأة حين يُقالُ المرأة فما علاقة هذه المرأة بالرجل؟ الجواب:

أولاً: هي الأمُّ، فالأمُّ كلمةٌ تُلهِبُ المشاعر، ورمزُ حنانٍ يستهوي القلوبَ، وعنوانُ ذكرياتٍ لا تنمحي من الوجدان، خُلِقْتَ في بطنها، وتكوّنت في أحشائها، ورضعت من ثديها، ونشأت وترعرعت في حضنها، الجنة تحت رجليها، ورضى الله في رضاها، وعلاقة الولد مع الأمِّ هي علاقة الغصن مع شعبته التي نبت منها، وهي علاقةُ احتياجٍ لا حدود له، ويتنوّع حسب مراحل العمر، فهو في البداية ضروريٌّ، ينالُ فيه الولد ما تتوقّف عليه حياته، ثم يبقى حاجيّاً مدى الحياة، فأغنى الناس وأكثرهم جاهاً، وأحذقُهم وأكثرهم معارف لا غنى له عن نظرةِ حنانٍ تنبعث من حَدَقَةِ الأمّ، تلكم النظرة الميمونة التي تُفصحُ عن الودِّ غير المشروط، نعم يُحيي الله من شاء من عباده، ويسعده، ولو فقد رافد الأمومة في مُقتبلِ عمره، لكن نعمةُ صحبتِها، وحلاوةُ البرِّ بها أمران معلومان لا يخطئهما العقل، ولما وصّى الله بالوالدين ذكَّر ببعض الكُلْفةِ التي تحمّلتها الأمُّ مع أن ذلك معلومٌ؛ وإنما ذكّر إلهاباً للمشاعر، وإذكاءً للعواطف، قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا)، ومن مزايا صحبة الأم كونهُ فرصةً للوفاءِ ببعض حقّها، وكفى بهذا غبطةً وسعادةً.

ثانياً: هي الأخت التي شاركتك مكان النشأة في ظهر أبيك، أو في بطن أمك، أو في كليهما، التي عاشت معك الحلوَ والمرَّ تحت سقفٍ واحدٍ، ولعبتم معاً في مراتع الصغر، محلُّ ثقةٍ لا تستدعي التحفُّظ، وسندٌ مضمونٌ تجده معك في أحلك الظروف وأضيق المواقف، ولما خافت أمُّ موسى عليه السلام عليه وقذفت تابوته في اليمِّ بوحيٍ من الله، لم تجد أمينَ سرٍّ تأتمنه على شأن موسى إلا أخته، (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ)، هكذا وقفت هذه الأخت مع أخيها في أصعب المواقف، ودبّرت له المصلحة بألطفِ الأساليب وأدقِّ الإجراءات، فبادرت باقتراحٍ مُباركٍ يرجعُهُ إلى أحضان أمّه، ولم يشعر بذلك فرعون وحاشيته مع إمكاناتهم في الرصد والاكتشاف، وبالمقابل فالأخ عِزُّ الأخت وحصنها المنيع بعد الله تعالى، وبوجودِهِ تأمنُ تطاولَ الـمُتطاول، وبسيفِهِ تُقطعُ كفُّ الشرِّ إذا امتدت إليها.

ثالثاً: هي الزوجةُ التي هي عنوانُ صِدقِ المشاعرِ، ورمزُ صفاءِ العواطفِ، ومنبعُ حنانٍ يُنعِشُ الجوانحَ، وسعادةٌ تجلُبُ الراحةَ، وثِقةٌ تطرُدُ الشكَّ والرِّيبة، بينك وبينها من الخصوصيات ما لا يكاد يكون بينك وبين غيرك كائناً من كان، وتعقد منها من الميثاق الغليظ ما تتحوّل بهِ من أجنبيةٍ إلى شريكةِ حياةٍ بلا حدود، ولا حواجز، ومهما كان المرء مع أحبِّ الناس إليه فلا يكتمل أُنسُهُ ولا تسكنُ نفسُهُ إلا بوجود الزوجة، وهذا من آيات الله تعالى (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)، ولا تقتصر أهميتها عند هذا الحدِّ، فالزوجةُ الصالحةُ القويّةُ رأسُ مالٍ ميمونٍ، وقد عرفنا كيف وقفت خديجة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم عند بداية الوحي، وكانت له سندَ صِدقٍ.

رابعاً: هي البنتُ بضعةٌ منك، وريحانةُ أنفك، قلبٌ صافٍ، ومودّةٌ لا محدودة، يُمكنُ أن ينفضَّ الأحباب من حول الـمُبتلى، ويتخلّوا عنه وهو أشدُّ احتياجاً إليهم، لكن البنت تصمد في مثل هذه الحالة، ويظهر صفاءُ جوهرها، وكونها النعمة العظيمة، والبنات كما قال معاوية رضي الله عنه: (فوالله ما مرّض المرضى ولا نَدَبَ الموتى ولا أعان على الزمان ولا أذهب غبش الأحزان مثلهن).