استضاف معهد الإدارة العامة معالي الشيخ د. عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس الرئيس العام لرئاسة شؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، حيث ألقى محاضرة بعنوان: "أثر علم أصول الفقه والمقاصد الشرعية في تحقيق الأنظمة المرعية"، في اللقاء الأول ضمن سلسلة اللقاءات الإثرائية لبرنامج الدبلوم العالي للعلوم القانونية، وذلك بقاعة بن خلدون بمركز الملك سلمان للمؤتمرات بمقر المعهد بالرياض.

وفي مستهل اللقاء، رحب مدير عام معهد الإدارة العامة د. مشبب بن عايض القحطاني بالشيخ، ثم تحدث الشيخ د. عبدالرحمن السديس، معرباً عن خالص سروره بوجوده في معهد الإدارة العامة ذلك الصرح الإداري العريق، وموجهاً شكره لمدير عام المعهد على هذه الدعوة الكريمة لإلقاء هذه المحاضرة، وداعياً الله العلي القدير أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين؛ لحرصهما على أن تكون المملكة رائدة، وبخاصة فيما تنعم به من أمن وأمان في ظل شريعة الله وعالمية ديننا الإسلامي.

وأكّد د. السديس على أنه لا يوجد نظام في العالم أوضح من أحكام الشريعة الإسلامية. مشيراً في هذا الصدد إلى أن هناك أنظمة لما فيها من مصلحة يقرها ولي الأمر. ومن هنا تتضح فوائد الأنظمة والحاجة لتحقيقها؛ فهو تحقيق النفع العام في الدنيا والآخرة، ولا يجوز لأحد مخالفتها أو إسقاطها أو تعديلها أو التحايل عليها فكل ذلك فساد. لذلك فإن عدم احترام الأنظمة هو عدم احترام للشريعة وترك للمصالح؛ فالمملكة لن تسن نظاماً أو قانوناً يخالف الشريعة، أو فيه ضرر على مجموع الناس، بل هناك الموازنات، وحفظ مقاصد الشريعة والتي منها حفظ النفس والمال، كنظام المخدرات والجزاءات الرادعة التي يقرها وخاصة حكم القتل لمروجها، وهناك الأنظمة المالية للحفاظ على المال العام.

وعلى صعيد متصل، قال معالي د.السديس: "كذلك من فوائد الأنظمة تنظيم العلاقات سواء بين الحاكم والمحكومين، أو العلاقات الدولية والسلم والسلام بين الدول، وإشاعة الألفة بين الناس، وترسيخ المحبة والعدالة بينهم". وأكد على أن الأنظمة وُجدت منذ قديم الأزل، كما أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان قائد الدولة الإسلامية، وأرسل عماله وأمراءه للبلاد لتحري مصلحة الرعية. ومن بعده الخلفاء الراشدون، ففي عهد الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في مجال التنظيم المالي كان هناك بيت المال، وفي التنظيم الإداري أنشأ الدواوين؛ كديوان الجند، والبريد، والقضاء، ثم كانت كذلك الدولة العباسية، ومن بعدها الدول المختلفة، وصولاً إلى الملك عبدالعزيز -رحمه الله- الذي أقر الأنظمة المستندة إلى شريعة الإسلام، فهناك نظم متنوعة، ومردها جميعاً هو دين الإسلام، كنظام المرافعات، ونظام الإجراءات الجزائية، ونظام المرور، ونظام التأمينات الاجتماعية، ونظام حماية الذوق العام وغيرها.. ومن هذا المنطلق يشدد د. السديس على ضرورة السمع والطاعة لولي الأمر؛ فهذا ما تم الإجماع عليه.

وانتقل معالي الرئيس العام لرئاسة شؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي إلى الحديث عن أصول الفقه، والتي تبرز في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، والإجماع، والقياس، وجميعها الأصول التي قامت عليها المملكة العربية السعودية، منوهاً إلى أنه من المهم ألا تتعارض باقي هذه الأصول مع القرآن الكريم، والسنة النبوية، وقد سلط الضوء على القياس ودوره في علم أصول الفقه. وعلى جانب آخر أشار معاليه إلى الاستصلاح الذي يعد أكثر الأدلة المختلف فيها، مبيناً أن هناك مصلحة مرسلة، وأخرى معتبرة، ويجب ألا تكون مصلحة هوى؛ فالغاية هي تحقيق المصلحة العامة. وذكر أيضاً أن من هذه الأصول باب سد الذرائع، فأي شيء فيه ضرر ومفسدة فإنه يُسد؛ كمنع القاضي من ممارسة التجارة أو أي مهنة غير القضاء؛ وذلك سداً لذريعة أو لذرائع، كذلك هناك "فتح الذرائع" التي تحقق المصلحة العامة؛ فالتقانة اليوم وثورة المعلومات نأخذ خيرها لمصلحة الأمة. وأضح أيضاً أن هناك العرف كالبيع بالتقسيط، وكذلك بعض الأعراف المتبعة في بعض الأمور الاجتماعية. وفي هذا الشأن أوضح معاليه أثر علم أصول الفقه في صياغة النصوص وتفسيرها.

ثم قدم الشيخ د. السديس العديد من التوصيات، والتي من أبرزها الاعتزاز بالدين الإسلامي، فلا يوجد نظام إلا جاء به الإسلام، ومن هذا المنطلق فالمملكة شامخة بديننا الحنيف. كذلك تنظيم حلقات نقاش وملتقيات حول ما يريده الشرع من النظام وما يريده النظام من الفقيه، وإزالة الفهم الخاطئ من أجل إقرار الأنظمة وقواعد الشريعة لتحقيق المصالح العامة والخاصة وإرساء الفهم الصحيح للإسلام، والتركيز على التأهيل الشرعي والقانوني، وإشاعة الحس بالنظام؛ والتركيز على علم مقاصد الشريعة وعلاقته بالأنظمة والموازنة بينهما، واستحداث البرامج الدراسية والعلمية بالمدارس والجامعات المعنية بالنصوص والمقاصد والأنظمة؛ للتسلح بعلوم الأنظمة والشريعة، وقد نوه معاليه إلى ما نحن عليه في عصر الإعلام الاجتماعي الجديد، فعلى سبيل المثال يمكن توظيف مواقع التواصل الاجتماعي لنشر التوعية والمعرفة بالأنظمة وتحقيق المصالح وإبراز المقاصد الشرعية.

د. القحطاني مكرماً الشيخ د. السديس