صناعة الفرح معقدة للغاية، ولكنها تبدأ أولاً بمعرفة ما نملكه، ثم كيف نستطيع استغلال هذا الذي نملك؟ وكيف نسوقه لأنفسنا نحن قبل الآخرين؟ هنا المهمة الصعبة، ولكنها في الوقت نفسه غير مستحيلة..

النجاح الباهر ومنقطع النظير لفعاليات الاحتفال باليوم الوطني الـ89 للمملكة التي سادت جميع المناطق، وما صاحبها من عروض فنية وتراثية أعادت تقويم مساراتنا بشكل أكثر من رائع، وهذا النجاح لا شك أنه يضيف أعباء كثيرة على مسؤولي صناعة الترفيه في الداخل السعودي، ليس ليتزامن فقط مع مناسبة جليلة كيومنا الوطني، ولكن ليكون استراتيجية ممنهجة تستنبط من مقوماتنا التراثية - وهي ضخمة وغزيرة - ما هو أكثر من تجذيرها أو مجرد الاستمتاع بها، بل أيضاً وضعها على خارطة السياحة المحلية وتفعيل محاورها وأطرها على مدار العام.

من هنا، كانت بادرة الهيئة العامة للترفيه برئاسة معالي الأستاذ تركي آل الشيخ، بإطلاق منتدى صناعة الترفيه في الفترة من 13 إلى 14 أكتوبر الجاري، بالرياض، خطوة مهمة وغير مسبوقة من أجل تعزيز وجود المملكة على خارطة صناعة الترفيه بالمنطقة الخليجية والعربية، والتي تستمد جذورها مع رؤية 2030 المهتمة بتطوير صناعة الترفيه بالمملكة وتمكينها لتصبح مركزاً دولياً للمناسبات والفعاليات الضخمة، وقاعدة مهمة للشركات والمواهب المرتبطة بهذه الصناعة، وبيئةً جاذبة للاستثمارات من خلال بناء شراكات قوية لإنشاء وتطوير واستثمار جميع المنصات ذات الصلة بالمملكة، بما في ذلك البنى التحتية والمرافق، في ظل التطورات التنظيمية التي يشهدها القطاع.. بما يعني أن بلادنا تتجه بخطوات واثقة وتقديم نموذج رائد في هذا المجال.. وتحديداً برؤيتها الواثقة والمنفتحة على العالم لتثبيت المكانة وترسيخ الجدارة.

المثير أن العروض الفنية المختلفة والفعاليات الثقافية المتعددة، أظهرت لنا ما يمكن تسميته معرض المواهب السعودية الشابة في المجالات كافة، والتي استلهمت خبرتها من رصيد هائل من التقاليد التراثية العريقة والضاربة في جذور التاريخ، وهو ما أعتقد - بل وأثق - أن المنتدى القريب سيشكل اللبنة الأولى في بناء قطاع ترفيهي وطني يتسم بالحيوية والاستدامة، بمثل ما يحافظ - أو يحفظ - على موروثاتنا وتقاليدنا الأصيلة، عن طريق دعم وجود المحتوى المحلي في قطاع الترفيه، وأيضاً تبني أفضل معايير الجودة العالمية. وهنا يكون مهماً للغاية، أن نؤطر استفادتنا العملية من خبرات الآخرين بما يرفد مستقبل هذه الصناعة وتطويرها بالشكل اللائق الذي سيعود بلا شك على اقتصادنا الوطني ويدفعه للأمام، بما يحد من النزيف الحاد الذي نفقده في السياحة للخارج، وربما في بلاد نحن أغنى منها بكثير تراثياً، ولا نحتاج فقط سوى إلى إبراز مكامن ثروتنا التراثية وعرضها بأسلوب عصري جذاب، وبأفضل خدمة مقدمة، نستطيع استغلالها وتعميقها من خلالها تسويق صناعتنا الناشئة واجتذاب زوار جدد خليجياً وعربياً إن لم يكن عالمياً أيضاً.

نحن شعب يستحق الفرح وتحقيق السعادة بعيداً عن ضغوط الحياة اليومية، صحيح أن صناعة الفرح هذه معقدة للغاية، ولكنها تبدأ أولاً بمعرفة ما نملكه، ثم كيف نستطيع استغلال هذا الذي نملك؟ وكيف نسوقه لأنفسنا نحن قبل الآخرين؟ هنا المهمة الصعبة ولكنها في الوقت نفسه غير مستحيلة، وضربة البداية ممكنة، وها نحن قد اجتزناها بعمق ما اتخذ من إجراءات وتقنينات لإطلاق الروح الوطنية الداخلية لتكون في أوج توهجها، وبأيدينا نحن نفعل ذلك دون تفريط أو انسلاخ، وهذه معادلة ناضجة نقدمها بوضوح لأنفسنا وبأنفسنا، ننهي من خلالها ما اعترانا من لحظات جمود أو كمون مؤقت. بمثل ما انطلقت الروح السعودية لتغرس في الوجدان حالة خاصة جداً من التفاعل مع قضايا الوطن والتماهي الصلب مع كل ما يمس وطننا قيادة وشعباً وأرضاً وموروثاً وتاريخاً.. بمثل ما أثبتنا جدارتنا في أن نقدم كل يوم ملحمة جديدة من ملاحم الوفاء لهذا الوطن بوجه تحديات المرحلة.. وها نحن نؤكد أننا نسير إلى رؤية 2030 الاستراتيجية بثقة وجدارة واستحقاق، من أجلنا نحن.. ولأولادنا نحن.. نحن فقط وأولاً.