"أهلًا بالعالم" شعار مقتضب ومؤثر ويعد بمثابة حجر الزاوية في فصل جديد من علاقة المملكة مع العالم، بعد أن أُتيحت تأشيرة المملكة السياحية الإلكترونية لمواطني 49 دولة حول العالم، الأمر برمته يذكرني بأستاذ العلوم السياسية ومسؤول الحكومة الأميركية عهد بيل كلينتون، جوزيف ناي، الذي صاغ مفهوماً مهماً في العلاقات الدولية والسياسية عبر كتاباته أواخر الثمانينات، نستخدمه اليوم بكثافة وهو "القوة الناعمة".. أي القدرة على التأثير في الآخرين وخلق حالة من الجذب والاستمالة عبر الثقافة والفنون والقيم المشتركة.

اليوم أصبحنا على الدرب، نسير نحو خلق واقع جديد، مستمد من أصالتنا وجذورنا ومنفتح كذلك على الغد والآخر؛ ففيما تبدو خطوة الهيئة العامة للسياحة والتراث ذات أبعاد اقتصادية واضحة، لا يمكننا أن نغفل الأثر السياسي الساحر لـ"القوة الناعمة"، فكما يقول "ناي".. "القوة الحقة، هي القدرة على التأثير في سلوك الآخرين للحصول على النتائج المرجوة".. فأثر المملكة يخترق الغرفة المغلقة والمحادثات الدبلوماسية إلى أذهان السياح وعشاق السفر، تراثها يتناقل على الهواتف وبين مدونات الرحالة، ثقافة مؤثرة ومتاحة ومرغوبة، من دون حواجز أو صور نمطية.

لكن في المرتبة التالية مباشرة، بعد صوغ دعوة صريحة ذات رؤية واضحة، وتكثيفها في شعار أنيق مثل "أهلاً بالعالم"، يأتي الدور على ضرورة تحديد مضامين الرسائل الإعلامية والثقافية المستهدف إيصالها لضيوف المملكة، والعناصر الثقافية المراد إبرازها، والتعامل معها كأهداف إعلانية، ينبغي الترويج لها بآليات التسويق الأكثر حداثة، وفي مقدمتها بالطبع وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد. لا أتحدث عن إعلانات مدفوعة تستخدم الاستمالات التقليدية للترويج لخدمة أو سلعة أو حتى وجهة سياحية، وإنما توظّف فيها قدرات شخصيات سعودية وعربية عامة ذات قوة تأثيرية كبيرة في الفضاء الإلكتروني، ويتم فيها إبراز تجارب سياحية لا تُقاوم، سواء من ناحية كرم الضيافة، أو من ناحية ألق وتفرد الوجهات السياحية الجديدة في سوق السياحة والسفر العالمي، حتى الأحداث الرياضية ستكون فرصة مهمة لنقل صورة مغايرة عنا، مباراة الهلال الآسيوية القادمة فرصة ذهبية لترى آسيا بأكملها عبارة (أهلاً بالعالم) على المدرجات رغم إدراكي الكبير أن فرصة كهذه لن تغيب عن إدارة واعية كإدارة ابن نافل.

المملكة وجهة بكر تمامًا بالنسبة لقطاع عريض من سكان العالم الذين يتحرقون لمقاصد لم تطأها أقدام من قبل، فضلاً عن ذلك، مواقع المراجعات السياحية العالمية بالنسبة للمملكة والقائمين على السياحة فيها تعتبر صفحة بيضاء، من شأن جودة الخدمة السياحية المقدمة من ناحيتنا للزوار، أن تملأها بما نشاء عن وطننا كوجهة سياحية قد تتصدر تفضيلات السياح في الشهور القليلة القادمة.

ما يزيد حماستي، على مستوى مهني حقيقة، هو قدرة عملية التأثير والتأثر المباشرة بين ضيوف المملكة ومواطنيها على تحليل وإزاحة الصور النمطية عن المملكة وشبابها وشاباتها، وتقديم المعادل العصري للقوالب الهوليوودية لنا نحن كأبناء المملكة، فكم يمكن للقوالب الإعلامية والصور النمطية أن تظلم فئات وأطياف المجتمعات على تنوعها وتباينها، وتمنع الشعوب من التلاقي الحر والتآلف وحتى الحوار.. فلابد إذاً من طرح جديد للشخصية السعودية يكشف عناصرها وملامحها في السياق العالمي للعام 2019.

ص