أثبت الاقتصاد السعودي قدرته الفائقة في التعامل مع الأزمات والصدمات الاقتصادية والمالية بمختلف أنواعها وأحجامها سواء التي كان منشؤها عالمياً، أم التي كان سيتسبب فيها الاعتداء والهجوم الإرهابي الجبان الأخير الذي استهدف معملي بقيق وخريص لإنتاج البترول والغاز بالسعودية.

ولعل التاريخ شاهد على قدرة الاقتصاد الوطني الفائقة في التعامل مع الأزمات الاقتصادية والمالية التي حلت بالعالم، والتي كان من بين أشدها قساوة وضراوة في عصرنا الحديث، الأزمة المالية العالمية، التي حلت بالعالم في منتصف عام 2008، وتسببت في انهيار مؤسسات مالية واقتصادية عملاقة، بالإضافة إلى إفلاس ماليات عامة لدول وصناديق استثمارية ضخمة. ولكن وعلى الرغم من ذلك، فقد وقف الاقتصاد الوطني والنظام المالي والنظام المصرفي السعوديين صامدين تجاه الإفرازات والنتائج السلبية التي تسببت فيها تلك الأزمة.

وبالأمس القريب، وبالتحديد يوم السبت الخامس عشر من شهر محرم 1441 الموافق 14 سبتمبر 2019، أثبت الاقتصاد السعودي والأنظمة المالية للمملكة مجدداً، قدرتهم على التعامل مع تبعات العدوان الغاشم على معملي بقيق وخريص رغم فظاعة وجسامة حجمه وما خلفه من تدمير لا يستهان به، لا سيما وأنه وقد نتج عنه توقف لعمليات الإنتاج في المعملين بشكل مؤقت، مما تسبب وفقاً للتقديرات الأولية إلى توقف كمية من إمدادات الزيت الخام تقدر بنحو (5.7) ملايين برميل، أو حوالي 50 % من إنتاج شركة أرامكو السعودية، وحوالي 5 % من الإنتاج العالمي.

ورغم شناعة الانفجارات العدوانية، إلا أن شركة أرامكو السعودية تعاملت مع الحدث المؤلم باقتدار ووعي وإدارك لحجم المسؤولية من عدة جوانب، حيث قد بيّنت الاستجابة السريعة للشركة وقدرتها على الصمود والتحمّل خلال مواجهة تلك الهجمات الإرهابية، عن جاهزيتها في التعامل مع التهديدات التي تهدف إلى تعطيل إمدادات الطاقة التي توفرها أرامكو السعودية للعالم، والذي نتج عنه السيطرة على الحريق خلال أقل من 7 ساعات واستئناف الإنتاج في معمل خريص بواقع 320 ألف برميل بعد 24 ساعة من الهجوم وإنتاج معمل بقيق بحدود 2 مليون برميل في اليوم خلال ثلاثة أيّام من توقف المعمل بعد الهجمات ويتوقع باذن الله تعالى بنهاية هذا سبوع استئناف إنتاج المعملين بكامل طاقتهما الإنتاجية. وقد أشادت وكالة موديز للتصنيف الائتماني بقدرة السعودية على استعادة إنتاج النفط سريعاً، بعد الهجوم على منشآت نفطية لها مطلع الأسبوع، والذي يُظهر درجة عالية من الصمود في مواجهة صدمات ضارة جداً محتملة.

ودون أدنى شك أن حكمة الحكومة السعودية في التعامل مع الحدث تأتي على رأس حكمة شركة أرامكو والأجهزة ذات العلاقة والارتباط بالشركة، وبالذات في التأني وعدم اتخاذ إجراءات ردة فعل قبل دراسة الخيارات المتاحة لاتخاذ الإجراءات المناسبة التي تحفظ للمملكة العربية السعودية أمنها واستقرارها، لا سيما وكما أوضح الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة، " أن هذه الهجمات لا تستهدف المنشآت الحيوية للمملكة فحسب وإنما تستهدف إمدادات البترول العالمية وتهديد أمنها، وبالتالي فهو يمثل تهديداً للاقتصاد العالمي، ويبرز مرة أخرى أهمية اضطلاع المجتمع الدولي بدوره بالمحافظة على إمدادات الطاقة ضد كافة الجهات الإرهابية التي تنفذ مثل هذه الأعمال التخريبية الجبانة وتدعمها وتمولها".