لم يكن أحد يتصور أن التاريخ ينقلب بطريقة سريعة لا يستوعبها العقل بسهولة.. والتاريخ هو عمل بشري يصنعه الرجال العظماء في لحظات من الزمن تنقلب فيها العادات والمفاهيم والقيم، وتنقلب فيها السمات والصفات الاجتماعية.. فمن كان يتصور مثلاً أن رجلاً أعرابياً عاش في جزيرة العرب حيث رياح السموم وبيوت الشعر والرحيل على ظهور الجمال! من كان يتصور أن هذا الأعرابي سيدخل إيوان كسرى العظيم المبني والمشاد بأفخر وسائل البناء والعمارة.. هذا الإيوان المحاط بالجنان والرياحين والأنهار والأسوار ذات القلاع العظيمة، من يتصور أن أعرابياً عاش على ألبان الإبل سيدخل هذا الإيوان على حصانه ويقف في شموخ، ويتقدم نحو الملك العظيم ثم يغرس رمحه أمامه، ويقول له: "أسلم تسلم".

إنه تحولٌ يكاد يكون دراماتيكياً يشبه الحلم في ليلة مزعجة.. فها هو الملك يلتفت نحو وزرائه وفي ذهنه تاريخٌ طويل لآبائه الملوك العظماء الذين تفرش طرقاتهم بالورود وترش بماء الرياحين.. بينما هو الآن تزكم أنفه رائحة حصانٍ يتصبب عرقاً ورائحة فارسٍ يتصبب شجاعة وإقداماً! إنها يا سادتي العقيدة الصادقة الصلبة التي تتفوق على الخوف والوجل وحب الحياة، فالسلاح وحده ليس الوحيد في سبب النصر، وإنما هو الإقدام والشجاعة والإيمان.. فلا أعظم من شجاعة تدفعها عقيدة راسخة وإيمانٌ مكين.

نعم الحياة تتغير، والسلاح يتغير ووسائل الحروب تتغير، ولكن الشجاعة لا تتغير، الشجاعة في قول الحق في أي شأنٍ وفي أي موقفٍ وتحت أي ظرف..

وما أشجع ذلك الطالب الذي اتهم الأستاذ زميله ظلماً بأنه فعل شغباً فأراد أن يعاقبه بشدة، فوقف ذلك الطالب بكل بسالة وقال: لا تضربه يا أستاذ، فإنه بريء، وأنا من فعل ذلك الفعل الذي أغضبك، وكان الأستاذ أكثر شجاعة ونبلاً حينما أقبل إليه وشد يده وقال: أشكرك على صدقك وأمانتك وشجاعتك.. نعم هذه هي الشجاعة الحقة والإقدام العظيم..

فكونوا شجعاناً في قول الحق، ورحم الله ذلك الفارس العظيم الذي غرس رمحه أمام ذلك الشاهنشاه الجبار.