في أواخر القرن السادس الميلادي اضطرمت المعارك كالعادة بين الإمبراطوريتين العظيمتين: الروم والفرس. الصراع بين الروم البيزنطينيين والفرس الساسانيين كان كالصراع بين أميركا والاتحاد السوفييتي بل أشد لأنه امتلأ بالمعارك المباشرة والحروب الطاحنة وليس حرباً باردة، وكل المنطقة تأثرت بما في ذلك العرب والذين انقسموا إلى الغساسنة النصارى الموالين للروم وإلى المناذرة الذين والوا الفرس وثالثاً البقية - ومنهم قريش - الذين لم يوالوا أياً منهما للبعد الجغرافي ولكن تتبعوا أخبارهم رغم ذلك، وفي تلك الحقبة المذكورة انتصر الإمبراطور موريس على الفرس نصراً كبيراً، وكان ليس إمبراطوراً فحسب بل قائداً عسكرياً بارعاً. هل تسأل كيف أعرف أنه بارع؟ لأن أمامي الآن كتابه!

بعد 1500 سنة من وفاته ترك موريس هذا الأثر العسكري الأدبي الثقافي، فقد كتب كتاب Maurice’s Strategikon بلغته اليونانية وهو كتاب حرب وُضع في استراتيجيات وأسس الحرب من المنظور الرومي بالتفصيل، وتعطيك نبذة عن الأساليب العسكرية آنذك بما فيها الحرب النفسية والفخاخ وتأديب الجنود، منها مبادئ يوم ما قبل المعركة، فيسرد منها موريس:

(1) اجمع المعلومات عن العدو لئلا يفاجئك.

(2) اخطب في الجند واستثر حماستهم، وذكرهم بانتصاراتهم السابقة، وعِدهم بمكافآت الإمبراطور.

(3) إذا وجدت في سراياك بعض جنود العدو فأسرهم، فإذا كانوا أقوياء أصحاء معهم سلاح قوي فلا يراهم جندك لئلا يفت في عضدهم، بل ضعهم في مكان بعيد، وإذا كانوا بحالة سيئة فليرهم الجند، وطف بهم في معسكرك ليراهم الجميع، واجعلهم يتوسلون علناً أن لا يُقتلوا ليظن جندك أن العدو كله جبان.

(4) في الأيام العادية يجب تطبيق القانون العسكري بصرامة، ولكن قبل المعركة لا تعاقب الجند الذين خالفوا القانون، وإن كان جُرمه كبيراً فاكتفِ بإرساله إلى ثغرٍ آخر. جنودنا الذين ينتمون إلى أمة وعِرق العدو يجب أن لا يقاتلوا قومهم أبداً، ويُرسلون إلى كتائب أخرى بعيدة عن هذه المعركة.

هناك الكثير من الاستراتيجيات غير هذه وقت المعركة وبعدها، وهي نظرة مبهرة في عقلية الروم.