قد نحتاج للاستعانة بنجاحات الآخرين لاستكمال ما نريد، مع أننا شعب نعدّ قبلة المسلمين في كل النجاحات والإنجازات التي تظهر في أي بلد مسلم، فما من دولة إلا وللمملكة عليها فضل في العطاء والترشيد والنصح والدعم المادي والمعنوي..

من تجارب الماضي يُصحَّح الحاضر، ومن نجاحات الآخرين وإخفاقاتهم، قد يُرسم بعض طريق الصواب، كما أن نجاحاتنا التي تميزنا بها عن غيرنا ستكون محل نظر الآخرين لتصحيح مساراتهم والرقي نحو هدف يجمع الجميع في إطار نفع الإنسان وإعمار الأرض بما يتلاءم مع إمكانات البشر في كل عصر، وهذا ما لفت القرآن إليه قارئه ونبهه على استغلال النظر في نتائج أفعال الآخرين وما أوصلتهم إليه أفكارهم وأفعالهم، ففي غير موضع من التنزيل نجد (أو لم يسيروا في الأرض)، (ألم يروا). وهنا لا نريد الحديث عن تنبيه الوحي لخلق السماوات والأرض، وعظمة الجبال والبحار، وآيات الله في الكون وفي الأنفس، وهو ما نبه عليه القرآن كثيرًا، وإنما نريد الشق الآخر من الأمر بالنظر والاعتبار في أفعال البشر، السلبية أو الإيجابية على حد سواء!

فمن السلبية والأخطاء نتعلم اتقاء ما يضرنا ويفتت شملنا ويذهب قوتنا، ومن إيجابيات التنبيه نأخذ ونحاكي الطرق والأساليب التي سلكها من قبلنا سواء كانوا أفراداً أو شعوباً، ففي قول شعيب عليه السلام لقومه: (ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط)، نستطيع الاستفادة منه كأفراد وأيضًا كشعوب ودول وحكومات، فالمعاملة التجارية القائمة على استيفاء الحق دون الوفاء به والتطفيف في الميزان مؤذنة ليس بهلاك رأس المال وحسب بل بعذاب يعلم الله كنهه، وهذه السلبية والتي ترافق كثيرًا من السالكين في التجارات والمعاملات، وإن كانت فردية فإن أثرها على المجتمعات جميعًا؛ لأنها تؤسس للربح المبني على ظلم الآخرين، ولو كان بأيسر يسير من التطفيف.

وفي التنزيل أيضًا (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم) فهنا يقع نظر المتأمل على حقيقة "بذنوبهم" فيصورها كلٌّ بما تقرر عنده من كنه الذنوب!

وقد يتوسع بعضهم في تشاؤمه لما يرى ما عليه شباب هذا العصر، وما يحيط بالناس من الفتن في دينهم ودنياهم، وما أحدثه العقل البشري من تقنيات عجز الكثير من ممارسي الفقه التأقلم معها، فكانت النتيجة الخطأ، حيث عدوا ما ليس بذنبٍ ذنبًا، واستيقنوا هلاك الأمة، وقادهم ذلك إلى اعتبار إيجابيات الآخرين ونجاحاتهم "الدنيوية" سلبًا يجب مخالفته، وهذا خلل في إيقاع النظر على الوجه الذي أمر به القرآن، فإنه حين ذكرنا بالنعم التي كانت فيها الأمم السابقة، وأيضًا ما أنتجته قدراتهم العقلية والبدنية، من نحت الصخور بيوتًا، ومما أنعم عليهم ربهم من أنهارٍ وحدائق، فإن التوجيه القرآني لم يأت لمنع هذه الإحداثات من العمران وغيره، ولم يذمهم لإيقاعها بل ترْكُهم المحافظة على المواهب الربانية لهم هو ما نبه عليه القرآن، فإنه مع وجود هذا كله أدخلوا على أنفسهم سلبيات الفعل المناقض لنعم الله، وحين نتحدث عن شعوب وتجارات وصناعات عصرية، فإن النظر والواقع يقتضي التمحيص المتخصص في نجاحات بعض تلك الشعوب "بغض النظر عن إساءاتهم التي يعدها ديننا ذنوبًا"، وقد قال صلى الله عليه وآله لأبي هريرة حين تمثل له الشيطان مسكينًا وناصحًا: "صدقك وهو كذوب" وهذا ينسحب من باب الأولى على البشر كلهم، فقد نحتاج للاستعانة بنجاحات الآخرين لاستكمال ما نريد، مع أننا شعب نعد قبلة المسلمين في كل النجاحات والإنجازات التي تظهر في أي بلد مسلم، فما من دولة إلا وللمملكة عليها فضل في العطاء والترشيد والنصح والدعم المادي والمعنوي، فنجاحاتنا كثيرة بل وكثيرة جدًا لا يحويها مقال بحروف محدودة، ولكن يبقى الإحسان في المحافظة على هذه النجاحات أيضًا والنظر والاستفادة من نجاحات الآخرين مطلباً لكل عاقل، ومريد الخير للبلد وأهله مقتنع تماماً بأن إمكاناتنا لا تعجز عن تحقيق طموحاتنا، بل هي الرافد الأهم لتحقيق تلك الطموحات. هذا، والله من وراء القصد.