تعتبر جلسات المقاهي الشعبية تقليداً اجتماعياً في حياة المجتمعات العربية، يقضي فيها الناس جزءاً من وقتهم اليومي بين تناول القهوة والشاي والمشروبات التقليدية ولعب الطاولة والشطرنج، بالإضافة لصحبة الشيشة (الأرجيلة) في بعض الأحيان، وتطور الحال لمشاهدة الأخبار والمباريات الرياضية، وأخذت تلك الجلسات طابع البساطة والتلقائية، حيث في القاهرة كانت المقاهي مكاناً يقصده الأدباء والمثقفون والشعراء، وفي الشام كانت المقاهي مكاناً ملائماً للحكواتية ورواة القصص.

لدينا في كافة أنحاء البلاد أيضاً مكانة اجتماعية للمقاهي الشعبية بالذات في فترة السبعينات الميلادية وما قبلها، حيث كانت المقاهي مركز التقاء الناس لتبادل الأخبار واستقبال المسافرين، ومع مرور الوقت لاحظنا تراجعاً لدورها الطبيعي نتيجة لبعض المتغيرات الثقافية والاقتصادية.

من الأسباب الثقافية التي أثرت على دور المقاهي الشعبية ذلك الرأي الذي كان سائداً بحرمة التدخين بسبب الضرر، وربط المقهى بالتجمعات المشبوهة ومحاولة تأصيل هذه الفكرة عبر خطابات متشددة لتشويه تقليد اجتماعي متعارف عليه، مما أثر على القرارات في حينها بنقل المقاهي لخارج النطاق السكني وفي الضواحي، وقد نتج عن ذلك مشكلات لاحقة؛ تمثلت في تأكيد تجمع الفئات المشبوهة أخلاقياً بها، وضعف الرقابة الرسمية عليها، وتدني مستوى نظافة المواد المقدمة ونظافة العمالة، واستغلال ثغرة قصور وجود التنظيم القانوني الذي يلزم المقاهي بالعناية بالمنتجات المقدمة سواء كانت منتجات غذائية من مأكولات ومشروبات أو من منتجات الشيشة التي ساء استغلالها بشكل بشع وضار بالصحة.

في شهر رمضان الماضي ذكر الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للغذاء والدواء د. هشام الجضعي لوسائل الإعلام أنه تم البدء بالسماح في دخول منتجات المعسّل للمملكة بعد الانتهاء من مراجعة مكوّن الجلسرين وتعديل اللائحة المنظمة لنسبته، وقال إن اللائحة الفنية للهيئة كانت تحدّ من نسبة الجلسرين في المعسّل؛ وكانت مرتفعة واتخذت بعض الإجراءات لضبط دخوله للمملكة حتى عملت الهيئة على إعادة مراجعة اللائحة؛ من خلال فرق علميّة بمركز الأبحاث بالهيئة، وتم الانتهاء بعدم وجود دليل علمي قوي يثبت الضرر من مادة الجلسرين، وتم عرض هذه النتائج التي توصل لها الفريق على المواصفات الخليجية، والموافقة على تعديل اللائحة الفنية بما يتعلق بنسبة مادة الجلسرين في المعسّل، وقد تم بموجبها إتاحة دخول هذه المنتجات عبر المنافذ.

بناء على ذلك؛ لا بد أن يتم وضع ضوابط صارمة للمقاهي ومراقبة قوية عليها بناء على لائحة هيئة الغذاء والدواء، كما على الجهات ذات العلاقة أن تكون لديها السرعة في إعادة تنظيم سوق المقاهي الشعبية خارج النطاق العمراني، مع السماح بفتح مقاهٍ أكثر عصرية داخل النطاق العمراني، والسماح بتقديم الشيشة داخل بعض المطاعم والفنادق، ووضع الضوابط واللوائح التي تضمن سلامة المنتجات المقدمة للناس، حيث تبقى هذه المقاهي تقليداً اجتماعياً عريقاً، إضافة لكونها نشاطاً اقتصادياً قوياً، فوجود التنظيم ووجودها قرب الناس يجعل منها أماكن ذات أثر إيجابي في حياة الناس، ويحد من الآثار السلبية للمقاهي التائهة.