هناك الكثير من المواقف التي يقلبها النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جوٍّ تعكره ألفاظ الغضب والمشاجرة، إلى ساعة يتمنى حاضرها أن لا تمر عقاربها ولا ينتهي وقتها، وربما تمر بنا كأزواج أو كآباء أو كأصدقاء بل كدول وحكومات مواقف لو احتويناها بشيء من التلطف وغض الطرف عن الأحقية..

لا أقصد هنا ذكر صلح الحديبية الذي كان بين النبي صلى الله عليه وآله وبين قريش، وما تضمنه من شروط في ظاهرها مجحفة، حتى أبدوا امتعاضًا وتضجرًا منها، قبل أن يقرؤوا الفعل النبوي هذا بعين بصائرهم، وما قد يؤول إليه من مصالح لم يكن استحضارها ممكنًا حال إملاء الخصم لشروطه، فليس هناك قراءات ما وراء الاتفاق إلا بعد أن رأوا رباطة الجأش وإشراقة الحكمة من وجه النبي صلى الله عليه وآله، فالأمر يبدو للناظر تنازلات يقدمها الطرف الأضعف حفاظًا على بيضة المسلمين وجماعتهم، وليست تنازلات بالمعنى الذي يحورها النظر المقتصر على رسوميات الأفعال الظاهرة، فالأمور بمقاصدها كما قرره أهل القواعد والأصول، ولكني هنا سأعرج على تفاهمات قد يراها كثير من الناس ضعفًا أو يسمونها بمسميات تشعر ذاك الذي أراد خيراً وإصلاحًا بالمذمة، وقد ينفخون حب التغلب والانتصار للنفس حتى تتفاقم الأمور وتعظم ويصعب استدراكها بينما كان بالإمكان وأدها في مهدها.

في بعض السنن يروي النعمان بن بشير، رضي الله عنه، قال: استأذن أبو بكر على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، فسمع صوت عائشة عالياً، فلما دخل تناولها ليلطمها، وقال: ألا أراك ترفعين صوتك على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فجعل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يحجزه، وخرج أبو بكر مغضباً، فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - حين خرج أبو بكر: "كيف رأيتني أنقذتك من الرجل؟ " قال: فمكث أبو بكر أياماً، ثم استأذن على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما. فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: "قد فعلنا، قد فعلنا".

من مثل هذا الموقف يحصل الكثير والكثير في بيوت المسلمين وأيضًا في مجالسهم وبين الأب وابنه والجار وجاره والصديق وصديقه، وقد يكون أحد الخصمين له حق الاحترام والتوقير من الآخر، إما لمكانة يتبوؤها، أو لسنٍ تقدم بها، أو لقرابة له الأولوية فيها، ولكن - أحيانًا - وقت الخصومة تأتي سُحب الغضب فتغطي كل تلك المميزات بين الخصمين، فتتجلى من "خيرهما" سمات الخيرية والأفضلية.

وفي الحديث عن المتهاجرين "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" لأن في الضغط على النفس لتلين لخصمها صعوبة بالغة يجدها كثير من الناس، ولذلك تستمر الخصومات وتطول، وفي مبادرة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم للحيلولة بين عائشة رضي الله عنها وأبيها كي لا يضربها، درس لكل الرجال بل لكل الناس، فإن ساعة الخصومة يفرح أحدنا بالنصير ليأخذ له حقه ويبرّد لظى الخصام المشتعلة في صدره، وها هو أبو بكر يأتي ظهيرًا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على ابنته عائشة لرفعها صوتها، ولم يكتف النبي صلى الله عليه وآله بالحيلولة والدفاع عنها، بل حين انصرف أبو بكر رضي الله عنه جاء صلى الله عليه وآله وسلم إلى عائشة يسكّن فؤادها ويُطفئ غضبها، بقوله «كيف رأيتني، أنقذتكِ من الرجل؟». وفي المسند عند أحمد: يقول لها يترضاهاّ! ألا ترين أني قد حلت بين الرجل وبينك؟ ولا إخاله صلى الله عليه وآله وسلم قالها إلا ممازحًا متبسمًا وإن كان ذلك لم يرو صريحًا، إلا أن تخيل الموقف وما دار بينهما يحكي هذه الممازحة والتبسم!.

ولا يقتصر الأمر على هذه الحادثة فحسب، بل هناك الكثير من المواقف التي يقلبها النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جوٍّ تعكره ألفاظ الغضب والمشاجرة، إلى ساعة يتمنى حاضرها أن لا تمر عقاربها ولا ينتهي وقتها، وربما تمر بنا كأزواج أو كآباء أو كأصدقاء بل كدول وحكومات مواقف لو احتويناها بشيء من التلطف وغض الطرف عن الأحقية ولفتنا من خلالها إلى الثغرات التي ندخل منها لحل المشكلة وفض النزاع لوجدنا أنفسنا نجلب السعادة والأمان من حيث ظن الآخرون أن فيها شقاءنا، وكما قيل:

قد يهلك الإنسانُ من حيث مأمنٍ

وينجو بإذن الله من حيث يحذرُ

هذا، والله من وراء القصد.