يسألني أحد المندهشين: كيف تكتب للوطن دون تزامن مع مناسبة؟

وأجد مشاعر حروفي تجيب بكل نقاطها وعلامات تشكيلها وتعجبها المندهشة، فهل من مناسبة أكبر من ديمومة الوطن؟!

وهل كتاباتنا عن الوطن مرسومة وقتية روتينية موسمية، أو بغرض إعلامي، أو فعل مناسبة حاضرة؟

الوطن ذلك العملاق المستقر كيانه بين الخليج والبحر منذ أقدم عصور التاريخ هو كل المناسبات، وكل المواسم، وكل الشخوص والعظماء، وهو حاضر دائم برفعته، قبل أن تحضر المناسبة، فيظل بحدوده المصانة بالأرواح شامخاً، يرقب المحتفلين وهم يلملمون أغنياتهم ورقصاتهم وألوانهم، وأعلامهم وسيوفهم، وأوتارهم، وأشعارهم، ويبقى.

الوطن أصل كل أصيل، وعنوان كل المناسبات مهما عظمت، تظل بعضاً، وهو الكل الحاضن المحب يحوي كل بهجة جزئية، ويجعلها أجمل، وأنقى وأصدق وأعظم.

فوق هام السحب، صاغها البدر في ليلة عرس، وغناها مطرب البلابل، في مناسبة عظيمة، وتمر الأيام فترحل المناسبة، وتبقى كلمات الوطن، تشعل وجودنا، وتلهب ألسنتنا بالترانيم، وتعزف على أوتار قلوبنا في كل يوم ودقيقة.

زهور الربيع تحضر، وكل يصنع باقاته منها، ويشم، وينتشي، ويزرع، ويقطف، وبقسوة الصيف تتناثر ذرات شفاه الزهور، على صدر الوطن الخصيب عشقه بالهدوء، فيضحك لغرام الفصول ويعود بثيابه البهية، ينشينا بربيع جميل جديد، يحيل أرضه إلى مناسبات خير وخضار وورود، ليبقى الوطن في كل الفصول.

مواقف سياسية تحضر وتغيب، والوطن هو الراعي، وهو من يجلب، ويحتضن، ويودع، ومن يؤكد التميز، والترقي، والبروز، ولا يعود في نفس الطريق، إلا متعالياً، صاعداً، مبهجاً، مقنعاً، ليبقى.

انتصارات عسكرية ودبلوماسية تحدث هنا، وتطورات ثقافية وهندسية تقنية تتميز هناك، وإبداع شعب بشيوخه وشبابه ونسائه وأطفاله يحدث في مناسبات التسابق، ويظهر في اقتصاد متين، ومشروعات، ونماء، ورخاء، وسلام، ومحبة، وشعارات فخر، وترفيه، ورياضة، ووجود فعلي وعلمي عظيم في مدارات الجوار والعالم، بطموح يسعى ويبدل، ويرتقي، ثم تنتهي كل المناسبات، ويبقى بعد كل ذلك الوطن، تحفة نادرة ثمينة في الأنفس، وفي كتب التاريخ، تزداد تألقاً، على قمة كل انتصار، وكل مكسب وكل خطوة نحو التحضر، وتتعاظم قيمة الوطن.

الوطن ليس مناسبة تحين وتطوى، وليس شعاراً يرفع ويرعى، ولا وثيقة تكتب، ولا جدارية ترسم، فله مع المجد والخلود، وقصص الفداء والبقاء مشاعر وعهود لا تموت، وحكايات، تحكى وتؤرخ، ويظل شأنه أكبر وأعظم وأبقى، من كل مناسبة.

الوطن تربة غنية تحتوي بذور وجودنا، وتنبت منها بيادر شبابنا، وتزهر أعمارنا، وتثمر أغصاننا، ونعود في النهاية، ننطوي حباً بين حنان ذراته، لأننا كالمناسبات، نأتي ونذهب، ويبقى الوطن الأم، يحتوي تاريخنا، وقادم مستقبل أحفادنا.

علّموا أبناءكم كيف يحبون الوطن، بكل المعاني والأحوال، ومهما تسارعت أو تباعدت أو ترنحت المناسبات، لأن رأس الوطن يظل العزيز الشامخ في أجمل الظروف وأحلكها.