إن ما تحمله ابنتك من مشاعر هو ما نحمله أيضاً من مشاعر، فلسنا إلا أشقاء نتقاسم اللقمة ونتشارك في السراء والضراء، وإذا تسببت بعض الظروف في ارتفاع معاناة السودانيين خلال مراحل سابقة فإن المستقبل المشرق ينتظر بلادكم بإذن الله..

أحياناً تخضعك بعض الحروف سواء من صديق أو عابر سبيل وهكذا كنت (أنا) مع إحدى الرسائل المؤثرة والموجعة أيضاً عند ذلك تزداد وشائج تواصلي مع أصدقائي السودانيين، فلا أكاد أبحث في ملمح من ملامح علاقاتي الشخصية إلا وأجد أن بصمة ما قد تركتها هذه الوشائج، لتشكل جانباً ثرياً في وجداني تجاه هذا الإنسان السوداني الأصيل المتجذرة فيه الثقافة الواسعة.

صديقي السوداني، الذي قام بإعادة أسرته إلى بلاده حتى تتمكن ابنته من مواصلة دراستها الجامعية بالخرطوم، قدر لي أن التقي معه وقال إن ابنته كتبت إليه رسالة أراد أن يشاركني فحواها، مشيراً إلى أن هذه الابنة احتاجت نافذة إعلامية لتبث من خلالها سطورها.

قرأت الرسالة، وقد اخترت منها هذه الجزئية لترى النور من خلال هذه الإطلالة:

(والدي الحبيب.. ها هي الأشهر تمر، وكنت أتوق لإكمال العام الدراسي سريعاً، لكن الاضطرابات التي شهدتها الخرطوم تركت أثرها على الدراسة، لتتأخر السنة الدراسية، وتتأخر معها الكثير من الخطط المتعلقة بالإجازة. بصراحة يا والدي كنت أتمنى انتهاء العام الدراسي في موعده لأعود مع والدتي إلى الرياض، فأنا متعلقة بحب هذه المدينة، كيف لا وقد كان مولدي فيها، وترعرعت في أحيائها ومدارسها، وبنيت فيها كل علاقاتي مع صديقاتي السعوديات اللاتي لا تنقطع صلاتي بهن حتى وأنا بعيدة عنهن).

وتواصل الطالبة السودانية حديثها لأبيها قائلة: (أبشرك يا أبي أنني قد اندمجت مع حياتي في السودان، وعلاقات بزميلاتي تنمو بشكل جيد، لكن عدم الاستقرار الدراسي هو الذي يربك حياتي وحياة الكثيرين غيري، والآن أنا أكثر قناعة بأن من أكبر النعم على الناس الحياة المستقرة الآمنة، حيث لا تشاحنات تثير عدم الاستقرار، ولا معاناة من اضطرابات تربك التخطيط والتفكير المنظم. وهذا ما كنت أتمتع به طوال إقامتي في السعودية. والله يا أبي إن ما يجده السعوديون والسعوديات من رعاية ومن دعم ومن استقرار لهي نعمة كبرى، عليهم أن يحمدوا الله عليها في كل لحظة، وأن يعضوا عليها بالنواجذ، فليس أكبر من هذه النعمة في حياة المجتمعات والشعوب).

وتختم الطالبة حديثها: (الأمور في السودان بدأت تنفرج والحمد لله، وكما تعرف يا أبي فأنا لست من أهل الاهتمام بالسياسة، ولا أفهم في تفاصيلها، لكن ما أعرفه أن كل المحيطات بي من زميلات يحملن مثلي وافر الحب للسعودية حكومة وشعباً، والكثيرات منهن كان مولدهن في أرض الحرمين الشريفين، ولم أجد بينهن من لا تتوق أنفسهن لأرض السعودية).

قلت لصديقي السوداني: إن ما تحمله ابنتك من مشاعر هو ما نحمله أيضاً من مشاعر، فلسنا إلا أشقاء نتقاسم اللقمة ونتشارك في السراء والضراء، وإذا تسببت بعض الظروف في ارتفاع معاناة السودانيين خلال مراحل سابقة فإن المستقبل المشرق ينتظر بلادكم بإذن الله، فلا يخشى عاقل على بلد يملك الأرض الخصبة، والمرعى الطبيعي، والماء الوفير، والإنسان المؤهل المتطلع لبناء بلده والارتقاء بمستوى حياته.

وأكدت لصديقي أن ما من بلد إلا وقد عاش فترات شدة وفترات رخاء، وأن أي عسر يعقبه يسر بحول الله وقوته.

صديقي السوداني احتفى بكلامي، وقال إنه سينقله حرفياً لابنته.

ما لا يعرفه هذا الصديق أن سطور ابنته كانت بالفعل دافعاً لمواصلة الحديث عن مشاعر الحب التي أكنها لهذا الشعب الباسم المرحاب، وأن سطور ابنته ستجد طريقها بين سطوري لتصل إلى القارئ المحب لهذا الشعب الشقيق.

كتب الله الأمن والإيمان والاستقرار للأشقاء في السودان، فقد آن أوان الانطلاق بعد بشائر الانفراجات السياسية، وبذلك تتهيأ الفرصة للشعب الشقيق لكي يبني بلده ويرتقي بها إلى أعلى الدرجات بإذن الله.