هل يتحاور الغرباء بصدق؟ أظن أن هذه حقيقة على وصف الشاعر العربي "فكل غريب للغريب نسيب". كنت وحيداً في الساحة الخارجيّة لمقهى باريسي هادئ مطل على ضفاف نهر السين حتى جلس إلى جواري شيخ كبير قد حفرت السنوات محطّاتها على قسماته. تشاغلت عنه بمتابعة أخبار "قناة العربيّة" على الشاشة أمامي ولحظت أنه يرمقني بنظرات الراغب في الحديث فأغلقت جهازي ووضعت السماعة لإعطائه الفرصة.

وما هي إلا لحظات حتى بادرني بالسلام بلكنة عربيّة شمال إفريقيّة، ثم سألني من أي البلاد أنت فأجبته متبسماً: في فرنسا أنا عربي مسلم هل يكفي هذا؟ ضحك وقال لا بد أنك خليجي لأنك تشاهد قناة العربيّة، ابتسمت وقلت نعم لم تخب توقعاتك. ردّ بسرعة قائلاً منذ عامين وأنا مقاطع للقنوات العربيّة فهي عندي أكبر مصدر للصداع، وأنا في فرنسا منذ ما يزيد عن 40 عاماً وأحاول أن أستمتع بما بقي من العمر في حدود راتبي التقاعدي المعقول.

تشعّب الحديث مع صاحبي عن العرب المهاجرين في فرنسا فسألته عن سر ضعف الحضور الثقافي والسياسي للعرب الفرنسيين مع قدم حضورهم وحصول نسبة مهمة منهم على الجنسيّة الفرنسيّة، فقال متحسّراً يا صاحبي العرب هنا نقلوا خلافاتهم معهم، ولا توجد لهم رابطة حقيقيّة. والإشكال الآخر هو ضعف الثقة في بعض الرموز العربيّة التي وصلت لمراكز سياسيّة وماليّة هنا، بعضهم لا تتميز شخصيتهم بل ويزايدون على قضايا العرب والمسلمين. ثم ذكر أمثله لبعض الرموز وكيف كان خطابها السياسي والثقافي أشد على قضايا المهاجرين من بعض المنتسبين لليمين المعادي للمهاجرين.

وبعد توقف قصير بادرني بسؤال: كيف هي أحوالكم في الخليج؟ ثم تابع لماذا الخلافات وأنتم في غنى عنها؟ قلت له نحن جزء من العالم العربي وشظايا مشكلاته وصلتنا ونحن نحاول أن نواصل المسيرة ونلملم الشتات، ردّ بسرعة دول الخليج اليوم هي أنموذج حضاري استفادت من الثروات وطوّرت دولها وشعوبها. انظر حال الشعوب العربيّة الأخرى وهم يتسولون بطاقات الهجرة مع أن معظم بلدانهم تمتلك الثروات. ولما وصل رفيقي اعتذرت منه ونهضت مودّعاً فشدّ على كفّي وهو يقول: التفتوا لحالكم بعض العرب يحسدونكم ويريدون خرابكم فمن خرّب دياره لا يجيد سوى الخراب.

  • قال ومضى:

بغد اليوم لن تعبث بروحي .. يكفيك ما مضى من جروحي!