يشهد قرار السماح للأنشطة التجارية بالعمل لمدة 24 ساعة، منذ إعلانه في 16 يوليو الماضي، وحتى اليوم، الكثير من الآراء المتباينة، بعضها "مؤيدة"، وأخرى "معارضة" وثالثة "متحفظة"، ويبقى لأصحاب هذه الآراء حججهم ووجهة نظرهم، التي على أساسها، حددوا توجهاتهم من القرار.

لست هنا في هذا المقال، لتقييم الآراء المُعلنة وتفنيدها، أو الاصطفاف بجانب فريق ضد آخر، مع تقديري واحترامي لكل رأي مُعلن مهما كان توجهه، ولكن رأيت أن أنظر إلى الأمر من وجهة نظر مختلفة، تعزز الاستفادة من هذا القرار، وتقلص السلبيات - التي يرها البعض - وهذا كفيل بالتوصل إلى آلية عمل مثالية، تمكننا من التعامل مع كل الأحداث المثيرة للجدل أو المُختلف عليها.

فإذا نظرنا إلى أبرز الإيجابيات، التي ظهرت بالتزامن مع إعلان القرار، نجد أنها كثيرة ومتنوعة، لا يمكن إغفالها، مثل الإسهام في توفير ما يقارب 45 ألف وظيفة مباشرة في قطاع التجزئة، و20 ألف وظيفة أخرى غير مباشرة، وخلق ما يقارب 30 ألف وظيفة دوام جزئي، وارتفاع النشاط التجاري في المنشآت الصغيرة والمتوسطة بنسبة تتراوح بين 14 و16 في المائة، وزيادة عدد المنشآت الجديدة بنسبة تتراوح بين 5 و6 في المائة، بالإضافة إلى زيادة حجم أعمال المطاعم بنحو 11 في المائة، وبما يعادل 68 مليار ريال سنوياً، وزيادة القيمة الاقتصادية لقطاع الترفيه بنسبة 9 في المائة، بالإضافة إلى زيادة الإنفاق الاستهلاكي ليصل إلى 100 مليار ريال سنوياً. ومثل هذه الإيجابيات منطقية، وينبغي أخذها في الاعتبار عند تقييم قرار السماح للمحال التجارية للعمل على مدار الساعة، في الوقت نفسه، يرى آخرون أن للقرار بعض السلبيات الاقتصادية والاجتماعية، حذروا منها، وعلى رأسها الاستهلاك الضخم في استخدام الطاقة الكهربائية، عندما تعمل المحال التجارية على مدار الساعة، إلى جانب أن القرار سيغير من نمط الحياة في المملكة بتعزيز السهر، الذي قد يؤثر سلباً على معدلات الالتزام الوظيفي ومستوى الإنتاجية وزيادة الأعباء على رجال الأمن بمختلف قطاعاتهم، وأخيراً تأثيره على الصحة بشكل عام، وهي سلبيات فيها شيء من المنطقية والتحليل الدقيق.. مع الأخذ في الاعتبار أن المحلات التي يمكنها أن تستفيد من القرار معروفة وتتركز في قطاع المطاعم، والمقاهي، فضلاً عن المنشآت الطبية والصحية، والرياضية.. أما قطاعات التجزئة فإن الفائدة ستكون موسمية مثل الأعياد، وشهر رمضان المبارك، ونهاية الأسبوع خاصة في الإجازة الصيفية.

ومن هنا، علينا أن نتفق بأنه من الصعب، بل من المستحيل الاتفاق على رأي موحد تجاه قرار أو حدث ما، لذلك علينا أن نعي أن الاختلاف في وجهات النظر، ظاهرة طبيعية وصحية جداً، والميل نحو رأي وتجاهل الآخر، لا يوجد ما يبرره مطلقاً، وعلينا أن نغير من نظرتنا إلى مجمل الأمور، ونتعامل مع كل الآراء المختلفة دون إقصاء لأحدها.

وأكرر ما سبق أن ذكرته من قبل، بأن كل الآراء حول قرار السماح للمحال التجارية للعمل 24 ساعة، ينبغي احترامها والقبول بها ومناقشتها، على اختلاف توجهات أصحابها، كما ينبغي الأخذ بمضامينها للاستفادة والاستنارة بها، خاصة عند تقييم القرار تقييماً شاملاً ودقيقاً، فهذه من علامات التحضر والتمدن في المجتمعات المتطورة، وإذا حققنا هذا الأمر، نكون قد تجاوزنا نقاط الخلاف، وحققنا الاستفادة القصوى في أي موضوع جديد علينا.