ذوو الجاهات والأماكن المفصلية في إرشاد وتوجيه الناس، إذا ما استغلوا بوادر العزيمة الإيجابية في النفوس، فزادوها انطلاقاً للتغيير المفيد والنافع والمثمر، فإنك ستجد تغيرًا ملموسًا في كل مجالات الحياة، وستملأ الصفحات الجديدة بما يثري الحياة الدنيا بأخلاق وقيم الإسلام التي أُعلن في يوم عرفة إتمامها وإكمال تفصيلاتها..

لا تزال مغفرة الذنب والتجاوز عن الزلات من أسمى ما يسعى المؤمن لها بِطَرْق أبواب التوبة، وفعل الطاعات، ولزوم المكفرات.

وإنك لتجد في كثير من مفردات العمل الصالح اقتصار التكفير عن الذنب بوقتٍ أو بقدرٍ، وفي التوبة استغراق التكفير لما انشغل اللسان والقلب والجوارح بالتوبة منه، غير متناولة لما أغفله التائب أو أصر على فعله في صفة أخرى.

ومذهب أهل التحقيق صحة التوبة من ذنب دون ذنب، وهو كذلك في الكفارات التي تفرض على مرتكب الذنب، فلا تغني كفارة ذنب عن ذنب آخر. وكل ذلك من رحمة الله في تنوع سبل العودة والأوبة إليه وتيسيرها.

وها نحن بعد انتهاء موسم الحج نغتنمها فرصة لتذكير ملايين من المسلمين ممن وفقهم الله وأعانهم لأداء مناسك الحج لهذا العالم، واطمأنت قلوبهم بأداء ركن من أركان الإسلام التي بني عليها، فكم هي تلك الجموع المتلاحقة كل عام لأداء المناسك فريضة، أو نافلة ترجو أن تنال بها الجزاء الموعود في الحديث (والحجة المبرورة ليس لها جزاء إلا الجنة). فما أحوج المجتمعات المسلمة إلى استغلال عزيمة ألّا رجعة إلى الخطأ عند تلك الملايين، فإن الغالب على أكثر من حج بيت الله أن يعزم على فتح صفحة جديدة بعد حجه، وهو الأمر الذي يوحي به إيجابًا في نفوس زائري بيت الله الحرام، التفاتة لقول رسولنا صلى الله عليه وآله: «من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه»، فإن الملايين من المسلمين كل سنة يعزمون هذا العزم، وهو فتح صفحة جديدة في مسيرة ما تبقى من حياتهم الدنيوية.

ولكن كثيراً من هؤلاء يقصر فهمه عن معنى "الصفحة الجديدة" فربما ظن أن عليه الانقطاع عن الخلق ولزوم زاوية في بيته، أو في المسجد خوفًا من تدنيس تلك الصفحة بخطايا الدنيا! وهذا في ظاهره سلوك مسلك السلامة، ولكنه في حقيقته قصور في القدرة على كتابة شيءٍ إيجابي جديدٍ في تلك الصفحة الجديدة! فكم هم ذوو الشرف والجاه والتأثير في المجتمعات بالعلم الشرعي أو الدنيوي، أو الثقافي، أو الاجتماعي، أو الإعلامي، ممن يوفقون لأداء هذه الفريضة يعودون بعد الحج بصفحة جديدة قد وجب عليهم شرعًا أن لا تكون صفحة جديدة فارغة، بل وجب عليهم كتابة حروف وكلمات وجمل كثيرة فيها، قد ظهرت عليها ملامح التغيير إلى الأفضل، وبرز بها معنى كون المسلم يحج بيت الله ويعود مواطنًا صالحًا أكثر نفعًا مما كان عليه قبل الحج.

إن ذلك التاجر الذي عاد بعزم فتح صفحة جديدة من المعاملة مع الناس بالأمانة والعدل والنصح وترك الغش، والسماحة في البيع والشراء، خير من ذاك التاجر الذي رجع بعد حجه قد ترك تجاراته وأمواله تدار بنفس الطريقة التي كانت قبل حجه، وكأن الحج لم يغير في سلوكياته شيئًا، اغترارًا بضيق فهمه للحياة الجديدة بعد الحج، وحينها يصدق عليه قول من قال:

فما حججتَ ولكن حجتِ العِيرُ

أو ذاك الأب الذي يعود بعد حجه منعزلًا عن ولده ورعيته، ومحتشمًا عن مخالطة من استرعاه الله، ظنًا أن بعد الحج سقطت عنه أعباء المخالطة والتربية واستبدلها بوقار العزلة.

وذوو الجاهات والأماكن المفصلية في إرشاد وتوجيه الناس، إذا ما استغلوا بوادر العزيمة الإيجابية في النفوس، فزادوها انطلاقاً للتغيير المفيد والنافع والمثمر، فإنك ستجد تغيرًا ملموسًا في كل مجالات الحياة، وستملأ الصفحات الجديدة بما يثري الحياة الدنيا بأخلاق وقيم الإسلام التي أعلن في يوم عرفة إتمامها وإكمال تفصيلاتها.

حتى ذاك الطالب الخالي من تحمل مسؤوليات الحياة حين يعزم على ملء صفحته الجديدة بالأخلاق العالية واحترام المجتمع وخدمة الوطن، سيكون دلالة على مستقبل مشرق للمجتمع والأمة!

ولا يكون ذلك إلا إذا لم يجعل الحاج فريضة الحج، أو نافلته شيئًا عابرًا، أو رحلة سنوية لا يلحظ المجتمع فرقًا بين ما قبلها وما بعدها، إذ لم يمح ما سبق من خطأ ويبدأ صفحة جديدة قد صُححت أخطاؤها، واستبدلت سيئاتها بالحسنات. هذا، والله من وراء القصد.