هل جربت شعور أن تنطفئ؟ هو ليس حزناً، ولكن تشعر بالعتمة في صدرك "مو حزن لكن حزين" كما يقول الشاعر مظفر النواب. لا يوجد إنسان لم يجرب الحزن الداخلي الذي لا تعرف سببه أحياناً، شعور بالانزواء عن كل حواسك، وكأن داخلك أصبح كغرفة مظلمة لا يوجد بها نوافذ، كانت أمي عندما تراني منطفئة تقول لي: ضعي أحمر شفاه وابتسمي، وإن لم تنجح حيلتها تنطفئ معي، وعندما أوافقها وأضع أحمر الشفاه تبدأ بالثناء عليّ، يا لشعور الأمهات ومشاعرهن الرقيقة، كلمات الثناء نحتاجها حتى لو كنا نكابر وندعي عدم حاجتنا لها، قال الكاتب مارك توين مرة: "أستطيع أن أعيش لمدة شهرين على الثناء اللطيف"، تخيل نفسك تستقبل كلمات ثناء وتشجيع عن أي عمل تقوم به، ماذا تتوقع أن يكون مستوى شعورك وإحساسك، وأنك تنجز شيئاً مميزاً حتى لو كان بسيطاً؟ فلا يوجد شيء يمنع من الثناء على أي شخص في محيطك؛ لأن كلمات التقدير والثناء أصبحت مطلباً في يومياتنا المليئة بالتعب، وهي أحد التعابير عن الحب كتشجيع عاطفي، تحتاجها المرأة والرجل والطفل وكل من يعمل حولك.

أذكر حادثة مرت علي قبل سنة، كنت أجلس في مكتبي بالجامعة، وكان الباب مفتوحاً، دخلت إحدى الطالبات وقالت لي: هل تسمحين بدقيقة، فقلت لها بالتأكيد، تفضلي، فجلست غير مرتاحة، وقالت أنا لا أستطيع أن أعمل مع الجماعة، أريد أن أعمل وحدي. وكانت بصيغة الأمر، وكنت قد قسمت طالباتي لأربع مجموعات لإنجاز بحث عن "تسخير شبكات التواصل الاجتماعي لنشر الوعي الصحي وتغيير السلوك".

كنت أحاول قراءة سلوكها، فهي تشعر بالضعف وعدم الثقة بأدائها مع المجموعة، وبدأت حديثها معي بصيغة أمر غير محتملة، إلا أنني وضعت نفسي مكانها، فأنا أحسّ أنها تدافع مشاعر خوف أكبر مما تحتمل، ابتسمت لها، وقدمت لها فنجان قهوة، وأعطيتها ورقة وقلماً، وقلت لها: اكتبي ثلاثاً من نقاط قوتك وأنت قوية، أمسكت بالقلم وكتبت ثلاث نقاط قوة، كان أثر كلمة "أنت قوية" جيداً، وكأنها أحست بالارتياح، كنت أقرأ لغة جسدها وهي تحاول دفع شيء ما بداخلها، قلت لها: أنت مميزة ودائماً مبادرة، وفعلاً هي كذلك، واقترحت عليها عملاً لا يدمجها كثيراً مع مجموعتها ولكن يكملها، خرجت وهي سعيدة ومرتاحة، فكرت مع نفسي لو كنت غضبت من صيغة الأمر التي بادرتني بها لأصبح الموقف متفاقماً، ولكن كلمة تشجيع وثناء قلبت الموقف تماماً، فالتشجيع يتطلب أن ترى الدنيا بمنظور الآخر، ولابد من معرفة أولوياته.