دائماً ما يتردد مصطلح تطوير المدن من قبل مسؤوليها، والكثير من سكان المدن يطالبون بتطوير المدن وإنشاء المزيد من المشروعات الخاصة بالتطوير وإعادة التأهيل، إلا أنَّ المفهوم التقليدي السائد لتطوير المدن يقتصر على إنشاء طرق أو تحسين بيئة بعض المواقع والمناطق، وإن كان هذا الأمر جيداً ويمثّل جزءاً بسيطاً من مفهوم التطوير العمراني للمدن إلا أنَّ التوجَّه الصحيح والأمثّل للتطوير العمراني يتمثّل في القدرة على التخطيط والتفكير لتقديم مكون عمراني جديد لديه القدرة على إحداث التغيير الإيجابي عمرانياً واقتصادياً واجتماعياً في حاضر ومستقبل المدن.

إنَّ خطط ومبادرات التطوير العمراني المكانية يمكن أن تغيّر من وظيفة المدن واقتصادياتها بعد تنفيذها على أرض الواقع، وهناك يمكن قياس نجاح عملية التطوير من عدمها في حال تركت أثراً في تقدم المدن وتنافسيتها العالمية.

إنَّ نجاح تطوير المدن يعتمد على وجود مشروعات كبرى نوعية تمتلك القدرة على إحداث التحول الإيجابي والسليم لمعالجة قضايا تنموية قائمة أو إتاحة فرص تنموية جديدة للمدينة وساكنيها، وعادةً ما تنطلق عملية التطوير العمراني المثلى من خلال تولد فكرة عمرانية يتم تبنّيها من قبل متخذي القرار في إدارة المدينة، وهناك الكثير من الأفكار التنموية على مستوى العالم التي تحولت إلى مشروعات ذات بعد تنموي مختلف وتركت أثراً مبهراً في نتائجها بعد التنفيذ، على الرغم من وجودها في مدن ليست في مصاف مدن دول العالم الكبرى، ولعل من أبرزها مشروع النقل الشامل بالتلفريك في ميديلين بكولومبيا الذي تم إنشاؤه لربط الأحياء المنقطعة والفقيرة خارج المدينة بوسطها ومعالجة قضايا الجريمة فيها، حيث كانت المشكلة تتمحور في انقطاع سكان الأحياء الفقيرة في التلال عن المدينة لأنهم يفتقرون إلى سهولة الوصول إلى الوظائف والتعليم والخدمات الأخرى، وتم التوصل إلى فكرة مشروع أول نظام تلفريك جوي في العالم يتم دمجه بالكامل في وسائل النقل العام حيث يرتفع النظام فوق الشوارع المكتظة والخطيرة، ويربط التلال بوسط المدينة، والذي أحدث نقلة نوعية بعد تنفيذه حيث انخفضت مستويات الجريمة بشكل كبير وتحسنت مستويات الوصولية بين أجزاء المدينة المختلفة.

ومن جانبٍ آخر نجد أن هناك أفكاراً جريئة في التطوير العمراني لعل من أحدثها إنشاء ضاحية معلقة (كوزمو بارك) في جاكرتا من قبل إحدى شركات التطوير العمراني في إندونيسيا وهي بمثابة قرية سكنية ترفيهية تشكل واحةً جميلةً متعددة الاستخدامات تم بناؤها فوق مركز تسوق بارتفاع 10 طوابق.

ما أود أن أصل إليه هنا هو أننا أمام حاجة ملحة لاستكشاف أفكار ومشروعات نوعية ومبتكرة للتطوير العمراني تستجيب لقضايا ومشكلات التنمية المختلفة في مدننا لتساعد في تطوير المدن وحل مشكلاتها الصعبة بحيث يكون لها تأثير مستدام في عملية التطوير المستقبلية.