منذ بدايات استكشاف المنطق لطالما لمس الفلاسفة والشعراء منافع القلق، فشبهه سورين كيركجارد بأنه (دوار يصيب العقل)، وهو (خادم الإبداع) كما قال تي إس إليوت، و(بداية الضمير) كما لاحظت الروائية أنجيلا كارتر، واستخدمه الممثلون وراء ستارة المسرح لاستحضار طاقات وقوة لا متناهية لتأدية أدوارهم، كذلك فعل العداؤون في المضمار موجدين لأنفسهم ينابيع من الهورمونات مستمدة من خوفهم من الفشل، فحققوا أوقاتاً لم يصلوا إليها في تمارينهم.

أما بالنسبة للكثير فعندما يكون السباق سباقاً للوصول إلى مبتغاه دون تعكير المزاج، أو دون فقدان الصواب نتيجة التوترات التي يواجهها، ولذلك فإن أحداً منا لا يود أن يتخذ من القلق صديقاً، فحياتنا اليومية فيها بكل الأحوال ما يكفي من الأسباب لجعل الأدرينالين يضرب على عقولنا، كل هذا ولم نذكر بعد مشاكل الازدحام، والركود الاقتصادي، والحروب، والتهديدات الإرهابية، وتقلبات الطقس، تقول سالي وينستون، مديرة معهد القلق والاضطراب في ماريلاند: (إن عدم القدرة على معرفة ما ينتظرنا في المستقبل، والشك، وعدم قدرتنا على التحكم بالأمور، كلها أمور تثير لدينا القلق تلقائياً، إنها إشارة لخطر داخلي أو خارجي يحيط بنا).

تتضمن اضطرابات القلق بشكل عام، اضطراب الوسواس القهري، والفوبيا، واضطراب الذعر، القلق الاجتماعي، اضطرابات ما بعد الصدمة، ولكن هذا لا يعني أن كل أنواع التوتر يجب محاربتها؛ فهناك أنواع يجب تبنيها، لا بل والاحتفال بها، فعند إفرازها بالكم الصحيح، يمكن للهورمونات التي تسبب القلق أن تدفع بحواسنا لأداء وظيفتها بدقة، وهناك في الواقع منحنى معروف لدى علماء النفس يُظهر بشكل جميل العلاقة بين القلق والأداء، يأخذ هذا المنحنى شكل جرس يصعد باستمرار ويتبعه على نفس الخطى ارتفاع في التوتر والقلق الذي يصاحب الأداء المتميز ذا المستوى الرفيع، وقمة القوس (وهي المكان الذي تنسجم فيها أنظمة الجسم مع بعضها انسجاماً تاماً، وتكون الحواس متيقظة، ونستطيع بكل وضوح استدعاء كل ما تعلمناه)، هي بالضبط اللحظة التي يتعلم أصحاب الأداء الرائع كيف يستغلونها أحسن استغلال لتحقيق ما كانوا يرونه مستحيلاً.

لذا فالموضوع لا يتعلق بمدى القدرة على عدم الشعور بالقلق، لكنه يكمن في تعلم طرق لإدارة القلق، فالقلق في حد ذاته ليس مفيداً ولا ضاراً لكن استجابتنا للقلق هي التي تحدد كونه ضاراً أم نافعاً، ويشير أطباء النفس إلى هذه الفكرة الواضحة والصريحة، بأنها الفرق بين قلق سببه تحدٍ يواجهنا، والذي بإمكانه إشعال نار المنافسة فينا، أو قلق ناجم عن شيء يهددنا، والذي يتسبب بغمر روح المنافسة فينا بسرعة، وفي أغلب الأوقات نشعر كأن عقلنا يقوم بالاختيار بنفسه دون استشارتنا، لهذا ما نحتاج تعلمه هو أن نتعلم الحفاظ على هدوئنا والأهم أن نكون نحن المسيطرون.