قد تكتفي كثير من النفوس بتدوير ما اعتادت وألفت عليه من عبادات كالصيام مثلاً، وهو ولا شك أنه خير وأنه من العمل الصالح، غير أن اختزال العمل الصالح فيه أو في غيره كل عام يعد تدويرًا ومواظبة على ما يوهم سنيته وتخصيصه، وهو أمر غير مراد..

عشر ذي الحجة، هي أفضل الأيام وأخصب الرُبى للعمل الصالح، ومن البديهي أن يذكر بفضلها الوعاظ والخطباء وكتاب المسلمين، وذلك إحياءً لخطاب المصطفى صلى الله عليه وآله وهو يدل أمته على أفضل الأيام للعمل الصالح في الحديث الذي درج أكثر المسلمين على سماعه وحفظه لكثرة ما يُردد في كل عام، وهو حديثه صلى الله عليه وآله: ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام" يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء. وبهذا الخبر ونحوه نعزي أنفسنا والوطن بمن ارتقت أرواحهم وهم يدافعون عن الدين والأرض والعرض في كل بقاع الوطن وفي الحد الجنوبي بالأخص، فهذا عمل بنص الحديث لا يفضله شيء ولا يدانيه عمل حتى في مثل هذه الأيام المباركة.

في عشر ذي الحجة تتجه كثير من النفوس إلى كسب الحسنات المضاعفة وفعل الخيرات، وقد تكتفي كثير من تلك النفوس بتدوير ما اعتادت وألفت عليه من عبادات كالصيام مثلاً، وهو ولا شك أنه خير وأنه من العمل الصالح الذي خص به بعض الفقهاء هذه الأيام، غير أن اختزال العمل الصالح فيه أو في غيره واقتصار العامل على ذلك كل عام يعد تدويرًا ومواظبة على ما يوهم سنيته وتخصيصه، وهو أمر غير مراد، وإنما جاء العمل الصالح في الحديث مطلقًا وهو باب أوسع من باب العبادات التي اصطلح عليها الفقهاء، فالعمل الصالح قد لا يتناوله حدّ شامل غير اسمه "العمل الصالح" وقد يكون في هذا الموضع للقصد والنية التأثير الكبير في تناول هذا المفهوم والدخول في استحقاق الثواب على الفعل، وإن المسلمين اليوم ومع الانفتاح على العالم بالتقنيات المبهرة التي أصبحت واقعًا يستحيل تجاوزه قد وجب عليهم توسيع النظر وإطلاقه إلى أبعد مما ألفوه ليتناول النفع العام من خلال خدمة المسلمين ماديّا ومعنويًا، وما أيسر ذلك حين يرافق العزيمة والنية بعض المجهود الذاتي أو الجماعي لاستغلال إمكانات العصر في إظهار محاسن الإسلام، وأيضًا نفع كثير من المسلمين الذين لم نكن نستطيع التواصل معهم إلا بشق الأنفس، ومن ذلك مثالاً لا حصرًا، عمل الجهات المعنية بشؤون الحج والعمرة من خدمة حجاج بيت الله الحرام فإنّ استحضار عظمة العمل والنية الزائدة عن مجرد تأدية الواجب سيبلغ بالعامل مبلغًا عظيمًا، ويتناوله الحديث تناولًا أوليًّا، وليس ذلك مقتصرًا عليهم أيضًا فالحاج نفسه بملاحظته نية الدخول في الحديث وبحسن تعامله والتزامه بأمن ونظام الحج هذا سيجعله ممن أدركوا المعنى الواسع للعمل الصالح.

ولو خرجنا بخطابنا خارج إطار "من يرى نفسه معنيًا بالحديث دون غيره" لوجدنا شباب الأمة قد اختلط عليهم الأمر، وظن كثير منهم أن العمل الصالح مخصوص بأولئك "الملتحين" و"الواعظين" أو من يبدو عليهم سمات "الصالحين" وفاتهم خير كثير هم أصلاً متلبسون به غير أن شرودهم عن نية إيقاعه عملًا صالحًا فوت عليهم مضاعفة الأجر، ومن ذلك معاملة الأهل وبالأخص "الوالدين" وتحمل هم الوطن ليس من باب "المجاملة" و"المزايدة" بل من باب الحرص على إظهار شباب الأمة بالأخلاق الراقية، والأهداف المنيفة، بالكلمة الحسنة، وببذل الجهد في وظيفة أو في عمل خص أو عم، وبذل الفكر في إنتاج ما ينفع المجتمع من اختراعات ومشاركات تعكس النظرة المتأثرة باستهداف شباب الأمة، إلى نظرة مستوحاة من أخلاقيات وأفعال الشباب في واقعهم في الجامعات والمدارس والمعاهد والمنازل، وأيضًا على مواقع التواصل الاجتماعي وفي القنوات الفضائية والصحف.

والحديث دليل على أنه صلى الله عليه وآله أوتي جوامع الكلم، فكم فتح قوله "العمل الصالح" من آفاق ومعانٍ لن يستوعبها مقال، ولا يحيط بها كتاب. هذا، والله من وراء القصد.