لقد لفت انتباهي تآكل الهوية العربية على وجه الخصوص خلال القرنين الأخيرين، ويبدو أن هذا التآكل مقصود، وأخشى أن يؤدي إلى انقراض الهوية العربية بشكل كامل كأمة لها رؤيتها وتؤمن بمصيرها المشترك..

رغم أنني مؤمن بأن الهوية هي عبارة عن مجموعة من الدوائر التي تحتوي بعضها بعضاً كما وصفها الله في القرآن: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات:13) وهي دوائر تبدأ بالفرد وتنتهي بالأمة التي تحمل صفات حضارية واجتماعية متقاربة وتشترك في قاسم «قيمي» أساسي يوجه رؤيتها للعالم ويحدد مواقفها من الأحداث ويصنع خصوصيتها التي تميزها عن الأمم الأخرى. القرآن يوجهنا إلى هذه الدائر التي يحتوي بعضها بعضاً لنصل إلى مفهوم الجماعة الكبيرة التي تحتوي عدة جماعات داخلها، لهم خصوصياتهم وثقافاتهم الجزئية الخاصة التي تميزهم، لكنهم في مجموعهم يشكلون مفهوم «الأمة» الواحدة ذات الصورة «الموزايكية» التي تشكل لوحة متناغمة، وهذا في حد ذاته مفهوم متطور و»يناميكي» للهوية لم أجده في كثير من الدراسات التي تناولت هذا الموضوع. البعد الآخر للهوية في المفهوم القرآني هو أن الهدف من وجود الأمم المختلفة هو «التعارف» والتواصل الثقافي وهذا مفهوم إنساني متطور جداً لم يعرفة العالم إلا في عصر «الأمم المتحدة» و «حقوق الإنسان» فالقرآن يقر بوجود هوية إنسانية جامعة فوق التنوع الثقافي الإنساني الذي هو ضرورة أساسية للإنسان.

المأزق الذي تواجهه الإنسانية في الوقت الراهن هو أن دوائر الهوية التي هي أحد أسس الوجود الإنساني في طريقها للتآكل وهو تآكل أشبه بالانقراض، فهناك ما يمكن أن أسميه «انقراض للهوية» لحساب الدائرة الأكبر حيث إن الهوية بدأت تتآكل لتصبح علاقة مباشرة بين الدائرة الأصغر وهي الفرد بالدائرة الأكبر أي الإنسانية في تجاوز واضح للدوائر المتوسطة التي تركز على مفهوم «الأمة» كهوية وسيطة تميز مجموعة من الناس عن غيرهم، لكنها تساهم في بناء الهوية الإنسانية الشاملة. هذا التآكل بدأ بالعولمة وذوبان الحدود الثقافية بين الأمم المختلفة وصعود الشعوبية على حساب القومية والأممية، يشكل هذا التآكل للعقد الذي يجمع مجموعة من الشعوب في عقد واحد حالة من التراجع الثقافي الإنساني العام.

لقد لفت انتباهي تآكل الهوية العربية على وجه الخصوص خلال القرنين الأخيرين، ويبدو أن هذا التآكل مقصود، وأخشى أن يؤدي إلى انقراض الهوية العربية بشكل كامل كأمة لها رؤيتها وتؤمن بمصيرها المشترك. والذي يبدو لي أن صعود هوية الفرد ونمو بذرة التشرذم لديه على حساب هوية الجماعة الضعيفة والمتناحرة على مستوى الشعوب العربية أدى وبشكل واضح إلى تراجع الهوية العربية في ذهن الآخر، غير العربي، والأسوأ من ذلك تراجعها في ذهن الجيل العربي الشاب الذي بدأ يفقد إيمانه بالعروبة، ويرى أنها إرث ثقيل يريد أن يتخلص منه ويتقوقع على محيطه الشعوبي الخاص.

لا يمكن أن أفسر هذا التناحر الغريب بين الشعوب العربية إلا من خلال هذا التآكل المتسارع للهوية العربية التي كانت تشكل في يوم قيمة كبيرة لدى الإنسان العربي، فكيف تراجعت هذه القيمة ولماذا؟ من الواضح أن أي قيمة إيجابية، بما في ذلك الهوية المشتركة، تحتاج إلى منجزات تساهم في رفع قيمتها في الأذهان والعكس صحيح وأرى أن هذا الانحدار السريع في إيمان العربي المعاصر بالعروبة هو نتيجة لتصدع القيم الكبيرة التي كانت تجمع الشعوب العربية وتجعلهم يتجاوزون عن الأخطاء الصغيرة ولا يضخمونها كما هو حاصل هذه الأيام، ونتيجة للإخفاقات المتلاحقة على مستوى التنمية التي جعلت الشعوب العربية بلا أي تأثير حضاري يذكر.

لا أريد أن أقول إننا نعيش عصر انقراض العروبة والقيم التي أفرزتها خلال القرنين الأخيرين، فمجرد التفكير في هذا الأمر يثير الحزن والرعب في نفس الوقت في نفس واحد مثلي عاصر الكثير من الأزمات التي مرت على العالم العربي خلال النصف قرن الأخير، ونشأ وهو يتنفس العروبة كهوية وكمرجع وإطار يحلم بأن يتشكل ويكتمل في يوم، لكنه كان يراها تتآكل كل يوم وتتراجع كل لحظة. ربما نحتاج أن نعود لمفهوم دوائر الهوية ونصحح بعضها خصوصاً دائرة الشعوبية التي تدعو إلى تشرذم الهوية العربية ومسح ذاكرتها ودفن ثقافتها، انقراض الهوية خطير جداً يشبه في خطره تمكين الهويات الصغيرة المتناحرة والمتقاتلة التي تفتت الأمة، وتقضي على أي فكر مشترك.