إن أهل الحديث والسير نقلوا لنا عنه صلى الله عليه وآله أحوالاً كثيرة يضحك فيها النبي صلى الله عليه وآله, بل ربما بالغ أحيانًا في الضحك حتى تبدو نواجذه, وهذا لا ينافي أن يكون أكثر ضحكه تبسماً, فلكل حال ما يفسره, لكن مع ذلك كله فهو القائل صلى الله عليه وآله: «والله لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً»..

لا أريد هنا أن أفصّل القول في ظرفيتها ولا أعدد أوجه الإعراب في "ما" التي لحقت بها, فمجال التعليم والتأصيل لجماليات هذه اللغة يبدأ منتظماً وينمو مع مراحل نمو الأجيال, ولكني سأتطرق هنا إلى ظرفية ما يقابلها من أفعال متقابلة في بني البشر, ومن تقلبات تعتري الناس كما قال الأودي:

فَصُروفُ الدَهرِ في أَطباقِهِ

خِلعَةٌ فيها اِرتِفاعٌ وَاِنحِدارُ

بَينَما الناسُ على عَليائِها

إِذ هَوَوا في هُوَّةٍ مِنها فَغاروا

ولا شك أن تلك التقلبات نسبية في وقوعها, فرب أقوام تجدهم في أوج السعادة بينما آخرون قد نزل بهم ما ينغص عيشهم ويكدر صفوهم, ولا يعد ذلك خدشاً في إنسانية من يبتسم لذويه ويدخل السعادة على قريب وودود, إذ لا يعني ذلك رضاه عن تعاسة الآخرين أو أنه مسرور لأحزانهم, فقلب المسلم بل قلب الإنسان يتسع لكل الأحوال ولا تترجم حواسه من مشاعره إلا ما يتوافق مع واقعه ويخفى في القلب ما لا يعلمه إلا الله, ومن الشعر:

أَضحَكُ لِلكاشِحينَ جَهراً

وَلي ضَميرٌ عَلَيكَ يَبكي

إذ من غير المعقول ولا من الإنسانية في شيء أن تحضر فرحاً بزواج فلان من الناس باكيًا لأن خبرًا على التلفاز نقل إلينا موت فلانٍ من الناس, وتلك الأقدار والأحداث المتداخلة لا يخلو منها زمن, ونبينا محمد صلى الله عليه وآله رسول الإنسانية وقدوة المتضامنين والمتعاطفين مع كل من يقع في بلاء, غير أن أهل الحديث والسير نقلوا لنا عنه صلى الله عليه وآله أحوالاً كثيرة يضحك فيها النبي صلى الله عليه وآله, بل ربما بالغ أحيانًا في الضحك حتى تبدو نواجذه, وهذا لا ينافي أن يكون أكثر ضحكه تبسماً, فلكل حال ما يفسره, لكن مع ذلك كله فهو القائل صلى الله عليه وآله: "والله لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً" فكل ما ورد عنه من ضحك هل يتناقض مع علمه صلى الله عليه وآله بما لو علمه الناس لبكوا كثيراً؟ الجواب: لا. فكم مرة ضحك فيها النبي صلى الله عليه وآله في حالة أوجبت تبسمه ولا يمنع فيها ابتسامته لحالة مغيبة توجب دمعة وتوجعاً؟ وفي الصحيح عن جرير في قصة قوم عراة مجتابي النمار أو العباء جاءوا النبيّ صلى الله عليه وآله، فتمعّر وجه رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى ثم خطب وتلا شيئاً من القرآن ثم قال تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره حتى قال: (ولو بشق تمرة) ثم تصدق الناس وتتابعوا. قال جابر: حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله يتهلل كأنه مذهبة. فحين تهلل وجهه صلى الله عليه وسلم لم يكن مناقضاً للحال التي عليها أطفال ونساء هؤلاء النفر الذين خلفوهم وراءهم, فلاشك أن حالتهم لم تغب عن ذهن رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا حال غيرهم من المسلمين الذين كانوا رهن الإقامات الاضطرارية في غير موطنه صلى الله عليه وآله.

وأيضاً حال أولئك المرابطين في التخوم وحال، وحال، وحال. غير أن المحيط بالشخص هو الحال المعتبر به، والحق الذي يجب أن يؤديه القائم به لذوي قرابته وجليسه ومحيطه, فليس معنى أن لو لبست جديدًا أو ضحكت أو تفسحت أو تمتعت بما وهبك الله أن تكون مقصرًا في حق الآخرين إذا أديت واجبك الديني والإنساني بالكلمة والصدقة والنصيحة بل ربما إظهار السرور هو جزء من إعطاء الأمل لكثير من الآيسين. هذا، والله من وراء القصد.