الجزيرة العربية ملتهبة في الصيف باردة في الشتاء.. كثيرة الرياح والزوابع الترابية، شحيحة الماء والنبات، ومع هذا يتعلق بها أهلها تعلقاً شديداً ويحنون إليها حنيناً غريباً، وما ذاك إلا لجمال ربيعها - رغم شحه - وجمال صباحاتها وأماسيها ولياليها المقمرة ورائحة أزهارها كالنفل والخزامى والشيح، وربما فوق ذلك كله الحرية التي يتمتع بها إنسانها، فليس هناك شيئٌ يحد من نظره، فالأرجاء أمامه مفتوحة واسعة والسماء فوقه عارية إلا من النجوم المتوقدة، أو من خدع السراب  المتراقص نهاراً المترامي بعيداً كأمواج البحر.. وكان أهل المدن يستغربون من حب الأعراب لباديتهم وعشقهم لرياحها، ونسماتها الليلية.. 

ولعل من أشهر ما أوردته الأخبار والأحاديث حول ذلك، حكاية ميسون بنت بحدل التي تزوجها الخليفة معاوية بن أبي سفيان وأسكنها قصراً فارهاً في دمشق، وذات يوم دخل عليها بغرفتها وهي تغني: 

لَبيتٌ تخفقُ الأرواحُ فيهِ *** أحبُ إليّ من قصرٍ منيفِ

ولعل ذلك أساء إلى معاويه فطلقها..!! مع أن تلك عاطفة بشرية إنسانية وهي عاطفة الارتباط بمكان النشأة وملاعب الطفولة ومدارج الصبا.. إضافة إلى أنهم كانوا يهربون من وخامة المدن ورائحة سككها وزواريبها حيث يشعرون بالضيق حتى يروا فجاج الأرض والدروب المتعرجة مفتوحة أمامهم، ذاهبة إلى فضاء الله البعيد، ولقد عايشت شيئاً من هذه الحالة عندما كان بعض أهل البادية يزورون الوالد - رحمه الله - فمنذ بُعيد صلاة العصر تراهم يتململون ويريدون الانطلاق والرحيل.. وهذا الشوق والحنين ليس خاصاً بالإنسان وحده، بل نرى بعض الكائنات من الحيوانات والبهائم تحن إلى أماكنها فالطيور تهاجر ثم تعود إلى أوكارها.. ولعل أعظم الكائنات حنيناً إلى مواطنها هي الإبل، فيقال إن أهل نجد أو الحجاز مثلاً إذا ذهبوا نحو الشام وعقلوا إبلهم في مراحاتها وأصبح الصباح وجدوها قد استقبلت بوجوهها نجداً أو الحجاز..

وكنا في الغربة إذا تكاثف السحاب وانهمر المطر نقول ليت هذا على مكان كذ أو كذا من المملكة، ذلكم هو الحنين الفطري إلى الأهل والديار، ومدارج الطفولة وملاعب الصبا… يقول الشاعر الصمة القشيري متوجداً:

ألا مَن لعينٍ لا ترى قُلل الحِمى   ***   ولا جبلَ الأوشالِ إلا استهلّتِ

ولا النير إلا أَسبَلت وكأنَها  *** على رمدٍ باتت عليه وظلت

لجوجٌ إذا لجت، بكيٌ إذا بكت ***  بكت فأدَقتْ في البكا وأَجلتِ

كما هتنت طرفاء ناشت غصونَها *** جنوبٌ وقد كانت من الليل طلت

تصوروا وتخيلوا هذا الوصف الدقيق المستوحى من البيئة، فهو يُشبه هملان الدمع من عينيه بهملان الماء من شجرة الطرفاء (الأثل البري) في ليلةٍ رطبة باردة هب عليها نسيم الجنوب فتهاطل ماؤها وانهمر… 

هذه هي الحياة لديهم يا سادتي، شوقٌ يتبعه شوق وحنين يدفعه حنين وحبٌ خالصٌ نبيل، يموت صاحبه ويبقى في ذاكرة الناس والأجيال حياً خالداً لا يموت.