لنتفق على أمر في غاية الأهمية، وهو من باب الإنصاف والتوضيح، يتمثّل في أن ما يوصف بنجاحات أردوغان كانت تتمركز في مدة رئاسته لبلدية إسطنبول. كل ما بني بعد ذلك، حول أساطير نجاحاته الاقتصادية هي مجرد بروباغاندا إعلامية، استغلت ما تبقى من فتات البلدية ووظفته، مع بعض النجاحات المحدودة، قبل أن يتملكه الغرور، ويبحث عن أمجاد وهمية، وتحالفات مشبوهة. والحقيقة أن ما بني بعدها يتمحور حول أطماع شخصية، وعقد نفسية، تمسه بذاته.

ولأن البداية من إسطنبول، فالموت الرحيم لأردوغان سيكون بسببها. يخطئ من يعتقد أن الهزيمة الساحقة لحزب العدالة والتنمية، أو ما أسميه "الحزب الأوردوغاني" أو "حزب الشخص الواحد"، مجرد خسارة عابرة. الهزيمة في أهم البلديات، وتحديداً إسطنبول هو الإعلان الرسمي للرفض الشعبي لبقاء أردوغان وسياساته، وطريقته العنجهية في التعامل مع الرئاسة، وجلب المزيد من الأعداء لتركيا.

الأمر لا يتعلق بانطباعات، وإنما حقائق تترجمها الأرقام، وآراء الاستطلاعات التركية، حيث كشف بكر آغيردر، مدير شركة "قوندا" التركية لاستطلاعات الرأي والدراسات، عن تراجع القاعدة الشعبية لحزب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من 38 % إلى 27 %.

والأمر يتعاظم في ظل رغبة بعض أصدقاء أردوغان القدامى بالانشقاق، وتأسيس كيانات وأحزاب موازية ومنافسة، ولذلك يتوقع أغيردير، أن تشهد الفترة المقبلة تغيراً في ميزان القوى على الساحة السياسية التركية، بعد الإعلان عن تأسيس "حزب باباجان" الجديد بشكل رسمي، مشيراً إلى أن الحزب الجديد قد يحصل على 2 % من ناخبي حزب العدالة والتنمية. وأشار إلى أن العدالة والتنمية يشهد تراجعاً غير مسبوق، موضحاً أن عودة الحزب إلى تألقه على الساحة السياسية في تركيا مرة أخرى سيكون صعبًا للغاية.

أردوغان، المتضخم بالأحلام المزيفة، لا يعيش أوقاتاً جيدة. فالتراجع الشعبي لجماهيريته؛ يصاحبه تراجع في الأمن الداخلي التركي، الذي أدى لتراجع أيضاً على مستوى السياحة والاقتصاد. كل هذا في ظل سوء العلاقة التركية - الأميركية، جراء الصفقة الروسية، وبالتزامن مع تصعيد في خطاب العديد من الزعماء الأوروبيين تجاه أردوغان وسياساته.

الأخبار الواصلة من أوروبا؛ تقول: "إنه بدأت موجة العقوبات من الاتحاد الأوروبي الذي تحرك، الاثنين، في وجه عمليات التنقيب التركية غير الشرعية في المياه القبرصية. وتربك هذه العقوبات حسابات أردوغان المتبعثرة أصلاً وسط أزمة اقتصادية تعصف بالبلاد، في ظل انخفاض حاد لليرة التركية وأرقام مهولة عن نسب البطالة وغيرها من مظاهر ركود اقتصادي".

في الوقت نفسه، في بروكسل، حيث اجتمع أعضاء الاتحاد، اتخذ قرار تعليق المفاوضات حول اتفاق النقل الجوي الشامل، ووقف اجتماعات مجلس الشراكة، والاجتماعات رفيعة المستوى مع تركيا. كما قرر المجلس تخفيض حجم المساعدات لتركيا خلال عام 2020. وقالت مصادر أوروبية: "إن التخفيض يتمثّل في اقتطاع حوالي 146 مليون دولار، من مبالغ تابعة لصناديق أوروبية.. كما طلب أعضاء الاتحاد من بنك الاستثمار الأوروبي إعادة النظر في الشروط المحددة لتوفير الدعم المالي لأنقرة.

الأمر لا يتعلق بالاقتصاد وحسب، وإنما بالكيفية الحديثة لتركيا الديكتاتورية التي يريدها، فالتحول من النظام البرلماني للرئاسي قبل فترة، أصبح ملفاً يشغل الشارع التركي، الذي يرغب في العودة للديمقراطية الحقيقية، من خلال صلاحيات الأحزاب.

وبحسب إحصائيات حديثة، أوضحت شركة استطلاعات الرأي والدراسات التركية PİAR، أن 62.5 % من المشاركين في استطلاع الرأي يريدون العودة إلى النظام البرلماني مرة أخرى. وكشفت الدراسة أنه في حالة إجراء انتخابات برلمانية في الفترة الحالية، فإن حزب العدالة والتنمية سيحصل على 36.7 % من الأصوات فقط، مع توزيع أصوات الناخبين غير المستقرين على حزب بعينه.

أما النتائج التي لا يرغب أردوغان في سماعها فتؤكد أن وزير المالية والخزانة برات ألبيراق أكثر وزراء حكومة حزب العدالة والتنمية فشلاً، وأن 26.4 % من الناخبين أكدوا أن الأزمة الأولى التي تواجهها تركيا هي الاقتصاد، وجاءت في المركز الثاني اللاجئون السوريون بنسبة 18 %، بينما جاءت أزمة البطالة في المركز الثالث بنسبة 15.6 %، أما الإرهاب فقد جاء في المركز الرابع بنسبة 77 %.

الدراسة تطرقت أيضاً إلى تأسيس حزب جديد، سواء من قبل وزير الاقتصاد السابق علي باباجان أو من قبل أحمد داوود أوغلو، وكشفت أن 53.9 % من المشاركين في الدراسة أكدوا أن هناك حاجة لتأسيس حزب جديد، بينما أكد 30.9 % من المشاركين عدم الحاجة لحزب جديد.

ما سبق ليست أشياء انطباعية، إنها وقائع يجب أن يعرفها أردوغان.. الذي ينتظره مستقبل مجهول، هو والإرهابيين الذين يسكنون في أجنحته، وأحلامه. والسلام..