كانت جارتنا في حي الكنق ستاون بولاية فيرجينيا السيدة "كرستينا رود"، التي تجاوز عمرها 70 عاماً، تصحو كل يوم قبل سكان الحي، تقوم بجولة حول مضمار "الليك فيلِج" لتنظيف ممرات البحيرة، ثم تعود على مواقف السيارات حاملة عصا معقوفة من مقدمتها لا تكاد تراها إلا لدى عمال النظافة وخبراء التنظيف، وبيدها الأخرى كيس تضع فيه بقايا صغيرة تلتقطها لتنقلها إلى المجهول في ذلك الكيس الأسود الذي تقول عنه: "إنها علاقة وشيجة ليست باللون الأسود بل منه وبه لأقوم بتحويل حيِّنا إلى واحة خضراء.. تصف علاقتها بهذا العمل بعِشرة 65 عاماً منذ أن جلست على أول مقعد خشبي في دراستها لمرحلة الروضة".

يشدك إليها الاستمتاع ونشوة الفخر التي تعتريها عند كل صيدٍ ثمينٍ ترصده لتحوله إلى غابات خضراء من النقاء مخضبةً بجمال الرسالة، غضبت من سؤالي الأخير: هل ما تقومين به هو من تداعيات "التقاعد" وآثاره؟ فأجابتني ثائرةً: وهل الإنسان لا يصنع الجمال أو يشارك فيه إلا في صغره؟ تنمية الذات تربية تتدرج مع الإنسان من صغره، وقناعاته بالخير، وعمله، وهذه رسالتي في الحياة.

وفي وطننا "الكبير" لدينا نماذج مبهرة، تُنبئ عن مكنونٍ ثمينٍ من أصحاب رسالات إنسانية يحملونها، ذوي قاماتٍ سامقة تقدح زناد عشق الوطن ورسالةٍ خضراء للأجيال والمستقبل.

نعم، إنها رسالتهم في الحياة التي تتجاوز دروساً ومنهاجاً في "الوطنية"، تُميز عزفهم المنفرد الأصيل من النشّاز، كثيرهم يتوارون عن الإعلام وأدواته، وبعضهم حاضر متجلٍّ في وسائل التواصل الاجتماعي بعروق خضراء بعطاء الغيرة على الوطن ومقدراته ونثر بديع لبذرة الإخلاص وشحذ الهمم في جيل الأبناء.

ورغم أن "البعض" اليوم يعيش مللاً وتذمراً بخلطٍ بين هدف الوظيفة وغياب الرسالة، يتضح الفرق شاسعاً بين من لا يعيش إلا كما يرغب به أو يبدو له ويصادفه، وآخر له رسالة ويحققها في حياته، فالأول يعيش في حيرةٍ ومللٍ بعد "التقاعد"، ومثل هؤلاء قد ينتظرون إلى الأبد بحثاً عمن يخبرهم كيف يعيشون ولِمَ يعيشون، أما الثاني فيضيف دائماً إلى وطنه وحياته والآخرين طاقاتٍ إيجابية ملتهبة.. وبمثل هؤلاء المنقطعين في صوامع "الرسالة" تقوم الحضارات، وتُستنهض الهمم والأجيال والأمم.

ختاماً، إن الثروة البشرية من أصحاب الرسالات المتميزة هي مفصلٌ ترتكز عليه حضارات الأمم؛ فلا حياة دون "رسالة" تتغلغل نبراساً في الوعي واللاوعي.. وغيابها ضياع للعمر والأوطان.