كان علماء الإسلام يعيبون ويذمون أيما ذم الذي يبتر كلام الآخرين وينقله على غير وجهه في كتاب أو مخطوط، فكيف لو أدركوا زمننا؛ زمن «الفوتشوب» و«تطبيقات تحرير الصوت والصورة» «وبرامج الإنتاج الاحترافية»؟! لكنا رأينا العجب العجاب من مؤلفات وفقهيات تتوغل في استخراج الأحكام المناسبة لكل حركة وصوت..

(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا) آية لها تأثير كبير في حياة المسلمين، فهي القاعدة التي يبني عليها المؤمنون حياتهم اليومية، ويحافظون بها على نسيجهم الاجتماعي بعيدًا عن "نزغات الشياطين" "وأخبار النمامين" "وصناعات المرجفين" حتى تبقى الصدور سليمة، والحياة مستقيمة، وحيث قد كثرت الناس، فقد تلاشت كثير من الأخلاقيات التي كان يحافظ عليها الأوائل وساعدهم في ذلك قرب عهدهم بنزول والوحي وبساطة حياتهم الخالية من وسائل نقل الكلمة والهمسة التي عرفناها نحن، والسالمة من السيلفي وتصوير السنابات ولقطات الفيديوهات والكاميرات الخفيات، وهذا ما يدعونا للتفكر في هذه الآية التي صدرت بها المقال، لنعلم أن قوله (فتبينوا) مدلولها أعمق من الفهم المقتصر على التأكد من القائل بسمعنا وأبصارنا، وإن كان هذا هو الواجب، إلا أن ظهور هذه الوسائل الحديثة التي دقّ عملها وأداؤها حتى استطاعت أن تصور "الشخص من كل اتجاهاته" في لحظات، وأن تنقل حركاته وهمساته من أرض إلى أرض بلمح البصر، بل وربما ركبت على صورته ما هو بريء منها، صوتاً وصورة، فهنا يجب على المنشغلين بالفتوى والأحوال الاجتماعية بين الناس أن يتوغلوا ويتمرسوا في هذا الجانب حتى يحسنوا التعامل مع هذه النوازل من أقرب التصورات الفقهية إليها، وإلى أي مدى تكون مصداقيتها وحقيقتها؟

ولا يعني ذلك أن سائر الناس ليس عليهم تعلم ذلك، بل هناك ما هو أوجب على المجتمعات وعامة المسلمين فيما يسمعونه ويرونه، لا سيما فيما ينشر من زلات وإساءات وأخلاقيات غير منضبطة بالتقوى، فإن في الآية (أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) ويا لله ما أدق تعبير القرآن حين قال "بجهالة" فإن في هذا الباب يؤتى كثير من الناس من قبل جهلهم بمخترعات العقل العصرية ولا سيما في وسائل التواصل، وبالأدق جهلهم بالتقنيات التي وصلت إليها "أجهزة وتطبيقات" نقل الصوت والصورة، وقدرة تلك الوسائل على "تزوير الصوت والصورة" إلى حدّ يصعب على المختصين من تمييز الأصل من النقل، وقدرة ذوي "النميمة الإليكترونية" من توجيه كلام المتكلم وحركته إلى "إساءة خلقوها من إحسانه" وقد كان علماء الإسلام يعيبون ويذمون أيما ذم الذي يبتر كلام الآخرين وينقله على غير وجهه في كتاب أو مخطوط، فكيف لو أدركوا زمننا؛ زمن "الفوتشوب" و"تطبيقات تحرير الصوت والصورة" "وبرامج الإنتاج الاحترافية" ؟! فلو كان حصل ذلك لكنا رأينا العجب العجاب من مؤلفات وفقهيات تتوغل في استخراج الأحكام المناسبة لكل حركة وصوت، ولَكُنّا وجدنا في كلام المفسرين عن قول الله (فتبينوا) ما يستعين به المسلم عند دخوله المواقع والصفحات والتطبيقات على الإنترنت وعلى الأجهزة الإليكترونية المتعلقة بذلك.

وكثيراً ما تجد الناس في كل نازلة وحدث ينقسمون إلى طرفين ووسط، فهناك من الناس من أحجم عن التعامل مع هذه العصريات وإن تعامل معها فعلى حذر لا يمكنه من الاستفادة والإفادة، وربما سلك مسلك "أرح نفسك من عناء البحث" وأطلق فتوى التحريم، أو التحذير والتنفير، وهذا في الحقيقة مسلك لا يستطيع أن يسلكه أحد حتى من تبناه.

بينما قسم آخر من الناس استرسل في كل شاردة وواردة فيه، ولا يفرق بين الحق والباطل، ولا يتعامل إلا بواقع ما يرى دون التمييز بين "الحقيقة والتزوير" ودون التثبت والتبين من مصادر الخبر، ولا مبالاة من أين جاء، ولا علم له بالتقليد الإليكتروني ولا بالبتر الاحترافي، ومن ثم وقع في مغبة النسخ واللصق والنشر والتدوير لما لا يعلم صدقه من كذبه وصوابه من خطئه، وأصاب بفعله هذا شعبًا أو جماعة أو فردًا بجهالة من حيث يدري أو لا يدري.

والحق أن يكون المرء مستحضراً قوله صلى الله عليه وآله: كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع. ويضع هذا الأمر (فتبينوا) وفي الرواية الأخرى (فتثبتوا) نصب عينيه، فيتعامل مع كل جديد بناء على ذلك، حتى لا يقع في محظور رمي الناس بالإثم وتشويه سمعتهم، وقذفهم بهتاناً ويؤذيهم بما لم يكتسبوا، فيحتمل بهتاناً وإثماً مبيناً، فليراع الله قبل أن يضغط على لمسة التحويل، ولا يفعل حتى يتبين ويتثبت من صدق المعلومة، ولا يكفي صدقها، بل يتبين له ويتثبت من نفعها، وعدم إضرارها بفرد أو مجتمع، أو وطن. هذا، والله من وراء القصد.