الذكريات دائماً هي وقود النفس والروح، والإنسان بلا ذكريات، أو الحياة بلا ذكريات هي حياة بلا معنى أو هي حياة ناقصة ومشوهة.. والشاعر شوقي يقول: والذكريات صدى السنين الحاكي.. 

لذا فالطفل الذي لا يتمتع بطفولته فيمارس حرية بتلقائية وفطرية، هو طفل ناقص التكوين النفسي، ففي الطفولة يستمر بناء الإنسان الجسدي والروحي والوجداني.. إذ في هذه الفترة تتشكل ملامحه النفسية، فإذا كانت حياة طفولته قاسية متعبة فلا شك أن ذلك سوف يؤثر في سلوكه عندما يكبر وينضج، وستظل ذاكرته محملة بأوزار ومتاعب تلك الطفولة السيئة والتعيسة.. بينما إذا كانت طفولته طفولة فطرية سعيدة مرحة فسوف يكون لذلك انعكاسه الإيجابي على حياته، فيواجه الحياة بقبول ورضا مهما كانت ظروفها صعبة.. ولست أعني هنا بالحياة حياة الترف والاستمتاع أو حياة الشح والفقر، فهذه وإن كان لها تأثيرها إلا أنها لا تترك - بالضرورة - بصمات سيئة على الفرد دائماً، وإنما أقصد بذلك حياة الطفل التلقائية الفطرية. فهذه كثيراً ما يعتسفها الناس اعتسافاً قاسياً ربما بسبب الظروف مثل وضع الأطفال في مدارس خاصة تحدد سلوكهم منذ البداية، أو أن يتولى تربيتهم عاملون أو عاملات يتدخلون في حياتهم الفطرية، فيفرضون عليهم حياة بعيدة عن ميولهم ونشاطهم السلوكي والذهني.. 

يقال: إن أهل إسبارطة كانوا إذا بلغ الطفل لديهم أربع سنوات وضعوه في رأس جبل وتركوه أياماً ليتعلم الدفاع عن نفسه من الطيور الجارحة؛ فينمو على الجسارة والقوة وإذا كان ضعيفاً فإنه يموت، وكان خلفاء بني أمية وبني العباس يرسلون أبناءهم إلى البادية كي يتعلموا الشدة والصلابة والفروسية، ولكي يتعلموا أيضاً الفصاحة وذرابة اللسان.. نحن اليوم بكل أسف أغفلنا هذا الجانب التربوي، فأسند الكثير منا مهام تربية أبنائه إلى العاملات والشغالات فصار اشتياقه إلى المربية أكثر من حنينه إلى أمه التي افتقد حنانها ورائحتها.. وبذا فهو عندما يكبر لا يحمل ذكريات عن رائحة أمه وملامحها النفسية.. وهنا فإن نفسيته تصبح نفسية مشوهة هشة مأزومة مضطربة موزعة بين عاملة وأخرى.. لذا فإننا بحاجة إلى دراسة هذه الحالة دراسة معمقة من اختصاصيين تربويين ونفسيين لكي يتحدثوا بصدق وصراحة عن مشكلات قد تسبب مأساة وجدانية لجيلٍ قادم، نرجو أن لا يكون جيلاً بلا ذكريات، جيلاً هشاً مشوهاً نفسياً ووجدانياً..