صناعة الوعي هي الآليات التي يتم من خلالها استنساخ العقل البشري كمنتج اجتماعي، ومن أهم هذه الآليات مؤسسات وسائل الإعلام والتعليم. وحسب رأي (إنتزنسبيرغر) لا تنتج صناعة العقل أي شيء محدد، فعلى العكس إن نشاطها الرئيس هو تخليد وجود نظام هيمنة الإنسان على الإنسان، وكانت مسألة صناعة الوعي محل جدل واسع على مر التاريخ، تطرق إليها معظم المفكرين والفلاسفة من الماديين والمثاليين، ولا خلاف على أهميتها وأثرها على ازدهار اقتصاديات المعرفة والاستثمارات الثقافية والمعرفية أو نكوصها.

هذه الصناعة لا تقل أهمية عن الصناعات المختلفة بل هي أعظم الصناعات، فكل الحضارات البشرية تطورت حينما اهتمت بصناعة وعي أجيالها المتعاقبة، وإذا أهملتها ضاع المجتمع في بحور من التشتت، فالعامل في المصنع المادي يخرج آلاف المنتوجات المتشابهة في الكم والجودة كل يوم، لكن صانع الوعي مطلوب منه أن يساهم في بزوغ شمس كائنات واعية متفردة في الوجود لا تشبه أحداً، قادرة على أن تتابع معركتها في إثبات الذات بكل ضراوة ومن دون استسلام، يقول المفكر الهندي (أوشو) في كتابه الطريق إلى التأمل: (إن التأمل لم يكن يوماً ما ضد الحركة)، وينفي التعريف الذي نعرفه جميعاً بأن التأمل هو حالة سكون يبلغ فيها الإنسان درجة كبيرة من الوعي.

لصناعة (الوعي المعرفي) لابد من وجود (اقتصاد معرفي) مرهون بوجود (مجتمع معرفي)، ووجود مجتمع معرفي وبيئة واعية لا يشترط أن يكون النظام الاقتصادي في ذلك المجتمع قائماً على المعرفة، لكن العكس ليس صحيحاً؛ ولذلك لابد من الإجابة على سؤال صناعة الوعي في المجتمع، وهذا يحتاج العودة إلى النظريات الاقتصادية التي تدخلت فيها النظرية الفلسفية عبر العصور ومحاولة التوفيق بين الرأيين اللذين يختلفان في أن أحدهما يؤكد أن البيئة هي التي تصنع وعي الأفراد في حين أن الرأي الآخر يؤكد أن الوعي هو الذي يصنع الواقع أو يغيره.

الكيفية المناسبة لخلق بيئة واعية والتأسيس لمجتمع معرفي كانت مرتبطة بمسألة صناعة الوعي ومحل جدل تاريخي، تجسدت في المثالية والمادية، (ماركس) يقول: (ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، إنما وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم). أما (هيجل) فيرى أن الوعي هو ما يصنع البيئة المثقفة، والواقع المثالي، وهذا لدى هيجل، هو شرط تحصيل الوعي لدى الأفراد، وقال (إنجلز) معبراً عن الرأي الأول لماركس: (إن نمط تفكيرنا يختلف حسب وجودنا في قصر أو في كوخ).

من ناحية أخرى، الاستثمار في صناعة الوعي يجب أن يشمل الجميع، مع التركيز على أن امتلاك أي بيئة لوسائل الحداثة يجعلها قادرة على مهمة خلق الوعي عن طريق التحفيز على الوعي والتثقيف بالترغيب، والثقافة تعني تحول الكائن من مجرد الوجود الطبيعي إلى الوعي بهذا الوجود، وفي الوعي تجد مساحة السلام مع النفس ومع الآخر، والتي ترى الأشياء على حقيقتها. يقول (أيان راند): السعادة: هي حالة الوعي الناجمة عن تحقيق المرء لقيمه. ويقول (بول ريكور): الوعي ليس أصلاً، ولكنه مهمة.