في مسألة السفر، طالما نحن على الواقع لا نملُك وقوداً للسفر عبر القارات، فالتاريخ جديرٌ بأن يُسافر بنا وأن يبقى السفر عبارة عن حُلم.

وعندما نسافر بواسطة التاريخ نجد مستقبلاً يبنيه ثُلةٌ من المُصلحين، ومُستقبلاً يبنيه حقد تاريخي دفين وقوده الانتقام.

نعم يمكن للانتقام أن يُساهم في بناء العظمة وهذا ما حدث في عام 1776م، لم تكن السفن التي أرسلتها فرنسا إلى أميركا محملةً بالورود؛ بل بالبارود! والتي استعملتها القوات الأميركية في قضية نِضالها نحو الاستقلال من قبضة الاستعمار ولم تذكر المصادر التاريخية عن أية دوافع دينية جعلت من فرنسا تُقدم على مساعدة أميركا؛ بل كان السبب هو إضعاف عدوتها التاريخية «بريطانيا» ثم إعادة توازن القوى الذي غيرته حرب السنوات السبع (الحرب الفرنسية - الهندية) في المستعرات الأميركية وفي هذا العام ذاته 1776م اعترفت فرنسا باستقلال أميركا، وحتى يتم تطهير أميركا من الوجود البريطاني أرسلت فرنسا قوة عسكرية مكونة من 6 آلاف عسكري إلى أميركا وذلك عام 1780م، وقد لعبت القوات البرية الأميركية - الفرنسية دوراً بالغ الأهمية في تطهير الأراضي من قبضة الاستعمار حينما بدأت المناوشات بينها وبين القوات البريطانية حتى انتهت باستسلام الأخيرة الأمر الذي دفع بريطانيا وهي الإمبراطورية العُظمى أن تتفاوض وعلى أرض فرنسا وسُميت هذه المفاوضات بـ معاهدة باريس 1782م وانتهت بإقرار السلام الذي جعل من أميركا تتوسع لتوحيد جُغرافية ولاياتها، حتى الوصول إلى العظمة كما هي حالها اليوم. الأميركان كان نضالهم نشداناً للحرية والاستقلال الذي رتّبه القدر، ويكمُن هذا الترتيب في طبيعة الفوضى العارمة بين بريطانيا وفرنسا، الذي ولَّد فكرة الانتقام الدفين في عقول الفرنسيين تجاه البريطانيين.

انتقام ساهم في تنامي قوة وعظمة الولايات المتحدة الأميركية.

يا له من انتقام مُعمِّر من وجهة نظر بعض الفرنسيين، وانتقاماً مُدمراً للقارة الأوروبية وعظمتها من وجهة نظر الأميركيين؛ إذ أصبحت عاصمة القرار العالمي على أراضيها وإيذاناً بانتهاء هيمنة الدول الأوروبية عليها وعلى قارات العالم.

اليوم نشهد في منطقة القرن الأفريقي ذات الموقع الاستراتيجي، صراعاً وتنافُساً محموماً بين القوى العظمى أميركا - الصين في استحواذ المنطقة.

وبعيداً عن البضائع الصينية الرخيصة الكُلفة في أفريقيا واستثمار الموانئ الواقعة في منطقة القرن الأفريقي، على ماذا يُبرهن الوجود العسكري الصيني في المنطقة؟ هل لتبادل الورود أم البارود كالبارود الفرنسي؟ هل سينتهي الصراع والتنافس الأميركي - الصيني بولادة دولة جديدة وقودها قوات برية تُسيطر على الأرض تُجيد أحكام القبضة وتكتسح ما عليها.. فليس كل اكتساح عبر الجو أو البحر عُدّ اكتساحاً!، أم يطغى كلّ منهما على الآخر بواسطة خوض الحروب عبر حلفائهم في المنطقة؟ أو ربما يقود كل منهما الآخر عبر الأزمات المُتأججة وهذا المُتاح الممكن في الوقت الراهن.