تتكئ المملكة على إرث ثقافي ضخم وهائل، يضرب بجذوره في أعماق الأرض، ويرفرف بظلاله الوارفة، في عنان السماء، هذا الإرث عززه الموقع الاستراتيجي للبلاد، فضلاً عن تاريخها الإسلامي القديم، وتاريخها التنويري الحديث، وما بينهما من حقب تاريخية، لا يمكن تجاهل تأثيرها المباشر وغير المباشر، في تحديد ملامح الشخصية الثقافية والحضارية، ليس للجزيرة العربية فحسب، وإنما لمنطقة الشرق الأوسط والعالم أيضاً.

وعندما تهتم حكومة خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- بقطاع الثقافة، وتسخر له كل الإمكانات البشرية والمادية، فهي تدرك هنا بأن الثقافة، ليست ترفاً أو ديكوراً جميلاً، ينبغي وجوده، ليزين جبين الدول، وإنما لإيمانها العميق بأن الثقافة هي نشاط إنساني وحضاري، وأسلوب حياة، له ملامح راسخة ومتغلغلة داخل الأعماق البشرية، يتنفسها الإنسان السعودي كما يتنفس الهواء، فتحدد هويته الثقافية وطرق تعامله اليومي مع المحيطين من حوله.

لذلك، لم نستغرب الاهتمام الهائل بأمر الثقافة في المملكة، هذا الاهتمام بدت ملامحه في «رؤية المملكة 2030»، التي أعلنت عن انطلاقة جديدة للثقافة السعودية، باعتبارها أحد أهم محركات التحول الوطني، نحو التنمية البشرية، كما نجحت «الرؤية» في تطوير قطاع الثقافة، وتأسيس مراكز حاضنة للإبداع، وتوفير منصات للمبدعين، للتعبير عن أفكارهم وطموحاتهم، وكذلك خلق صناعة ثقافية، تُعنى بالفن والمسرح والسينما، والأنشطة الفنية والتشكيلية، وتحويل الثقافة إلى عنصر رئيس، للتواصل بين الناس، ورافد للاقتصاد، وداعم للسياسة، ليس هذا فحسب، وإنما أقدمت الرؤية ذاتها على تطوير البنية التحتية لقطاع الثقافة والترفيه، لتصبح جزءًا من تحسين مستوى معيشة المواطن السعودي، ورافدًا حضاريًا للبلاد.

هذا المشهد الجديد للثقافة السعودية، تؤكده الخطوة الأخيرة التي أعلنت عنها وزارة الثقافة باطلاق أول مسابقة وطنية لتوثيق «التراث الصناعي» واكتشاف أهم المعالم المعبّرة عن هذا التراث في جميع مدن ومحافظات المملكة، بمشاركة المواطنين والمقيمين من مختلف الشرائح الاجتماعية.. وهو نوع من التراث يرتبط بالتطور الصناعي في العالم، ويشتمل على بقايا الثقافة الصناعية القديمة، سواء التكنولوجية أو الاجتماعية أو المعمارية أو العلمية، ويتكون من المباني والآلات والمصانع والمناجم ومواقع التكرير والمستودعات.

لاشك أن ذلك كله وغيره يعكس رغبة ولاة الأمر، في أن يروا كل مسارات الثقافة في المملكة، وقد انتشرت في كل مكان، وأدت دورها المنتظر منها، صانعة أجيالاً وأجيالاً متعلمة وواعية ومدركة لملامح دورها، وقادرة على أن تقود البلاد إلى عالم آخر من الرفاهية والازدهار والنمو.