لا ريب أن الناس يتفاوتون في كل شيء، في الفهم، وفي العلم، وفي العمل، وفي الهمم، وفي القدرات، ومن هنا تباينت طرق الخير، وتعددت سبل النجاة، وفتح لأناس في أبواب لم تفتح لغيرهم، وهذا هو المفروض أن نركز عليه وأن نبني مجتمعنا بناءً عليه..

هذه العبارة العامية تقال استحقاراً لقيمة المتحدث عنه، وقد يواجه بها المرء فيقال له: ما عليك شرهة. وقد تقال اعتذاراً لمن قدم ما يمكنه في أمر ما ولم تكن النتيجة كما يراد لها.

وأراها استخدمت في غير موضعها ديناً، وقيمة اجتماعية، فإنها جعلت عذراً للمفرّط، وستاراً للعيوب التي لا يراد إصلاحها، وتعدت إلى أن صنّفَت المجتمع إلى متدين، أو ما يعبر عنه بالمطوع، ويقابله غير المطوع، وتختلف دركات غير المطوع إلى أن تصل إلى أسفلها من غاية الفسق والمجون.

وفي مجتمعنا عبر العقود الماضية ظن الناس أن الدين يلزمه بعض الشعارات، والمظهر المعين، فلا بد من أن يلتحي المرء بلا تهذيب، ولا تشذيب للحيته، وعلى قدر قصر ثوبه يكون تدينه، ولا تنس سواكه في يده يشوص به فاه في كل محفل!

ولا ريب أن ذلك من الدين، بغض النظر عن كونها سنةً أو واجباً، فكل ما ورد عن نبينا صلى الله عليه وآله، فهو مشروع ولا ينبغي التساهل في قدره، إذ هو شريعة يجب أن تصان عن الهزء والتهاون، دون مغالاة، أو ترسم بشيء لم يكن قديماً ميزةً بين العاصي والمطيع.

بيد أن المشكلة أن جعلت هذه وحدها علامة التدين، وفتح الباب لمن لم يتقيد بها أن يفعل ما يشاء، ويَظن أو يُظن أن (ما عليه شرهة) إذ هو ليس مطوعاً. فيستبيح المسكين بهذه الحجة وبرفع الحرج عنه أعراض المسلمين، وله أن يفعل ما تيسر له من معصية ومخالفة أنظمة، فلو قطع الإشارة - مثلاً - ولم يكن ملتحياً لم يستغرب الناس ذلك، وأما لو قطعها وهو بتلك الهيئة التي أسلفت وصفها لقامت الدنيا ولم تقعد. إذ إن المسكين الذي تلبس بمظهر الإسلام تديناً واتباعاً، وتأسياً بالحبيب عليه الصلاة والسلام ترمقه الأعين بكل دقة وحرفية، تلتقط سقطاته، وتنشر عثراته، وتترقب زلاته، ولا تلقي بالاً لبشريته، ولا تعير اهتماماً لإنسانيته!

ففي المجتمع لا ينكر إلا مطوع، ولا ينصح إلا مطوع، ولا يتجنب سماع الأغاني - مثلاً - إلا مطوع، وأما غير المطوع فلا بأس إذ (ما عليه شرهة).

ويبدو لي أن من أخطاء الفترة الماضية في الدعوة تقسيم المجتمع إلى مطوع وغير مطوع. ولو جعلت المسألة في دائرة {هو سماكم المسلمين} لما كانت نتيجتها ما نعيشه واقعاً أليماً. إذ إن كثيرين يعيشون نفاقاً اجتماعياً، جراء هذه المعادلة الصعبة، فالمطوع يحاول أن لا يراه المجتمع بغير الصورة التي أطرت له، وغير المطوع يخشى الدخول في عالم التدين ظناً منه أن عليه التزامات ليست عليه في حالته الراهنة، ومن جهة أخرى هو يخاف من نظرة الناس إليه، وما يطالبونه به بعد أن يعلن تطوعه، أو يبدو عليه سمات المطوع، ويرى أنه في فسحة من الأوامر والنواهي حتى يتطوع!

ولا ريب أن الناس يتفاوتون في كل شيء، في الفهم، وفي العلم، وفي العمل، وفي الهمم، وفي القدرات، ومن هنا تباينت طرق الخير، وتعددت سبل النجاة، وفتح لأناس في أبواب لم تفتح لغيرهم، وهذا هو المفروض أن نركز عليه وأن نبني مجتمعنا بناءً عليه، فقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله ورضي الله عنهم متفاوتين في ذلك تفاوتاً مبيناً، في الفضل والعمل، ولو نظرنا في سيرة أفضلهم بعد النبي صلى الله عليه وآله، لما وجدنا فيها تميزاً ظاهرياً، بل حتى النبي صلى الله عليه وآله لم يكن مميزاً عنهم في المظهر، حتى إن الغريب ليدخل على مجلس هو فيه فيسأل: أيكم محمد؟ ولما سأل بعض الصحابة عن عبادته عليه الصلاة والسلام وأخبروا بها، كأنهم تقالّوها. حتى بين لهم أنه يعيش حياته كغيره، وإن تميزت بشيء لعلو همته، وكمال درجته، وتمام خشيته، عليه الصلاة والسلام. وإنما تقالّ الصحب الكرام عبادته إذ لم يروا فيها شدةً ولا تعنتاً، ولا تبتلاً يقلل حقوقاً أخرى في الحياة ديناً ودنيا!

ولهذا فإنا إذا قرأنا سيرة الصحابة رضي الله عنهم لم نجد فيها ذلك الفرق الكبير بين أبي بكر وحنظلة، أعني في العمل، وإن كان للصديق تميزه، ولكني أعني في العموم.

وأما في واقعنا فإنا ننتقي أفضل ما في سيرة كل صحابي أو تابعي أو إمام ونريد من المسلم أن يكون بتلك الفضائل مجتمعة، فإن لم يفعل، ولن يفعل فإن الحل الوحيد أمامه أن يترك الطوع وأهله، ويلتحق بالفريق الذي (ما عليه شرهة). هذا، والله من وراء القصد.