فرحنا بهذا التطور التقني وثورة الاتصالات، وهي بطبيعة الحال نعمة وليست نقمة؛ لأنها اختصرت لنا سبل الاتصال المعرفي والمجتمعي بهذا العالم وببعضنا البعض ولا أحد ينكر ذلك، إلا أننا كعرب جعلناها نقمة فانحرفت عن وظيفتها التي كانت مجالها..

تتسع الحدود وتضيق المسافات بين العالم وبعضه حتى أصبح قرية كونية كما أطلق عليه، وكما نقره ونؤكد نحن في هذا التجوال العالمي في لحظات!

ومن المفترض أن يترك هذا الفضاء الشاسع - والواقع في الوقت ذاته في قبضة اليدين - نوعاً من السعادة والتقارب البشري والذي يسوق بدوره إلى اتساع الأفق المعرفي والثقافي، وتتحول الدنيا في أعيننا إلى حديقة غناء جراء اتساع عقولنا وأذواقنا ومفرداتنا وحتى حدقات أعيننا أيضاً! وهذا هو المنتظر من هذا العصر الجديد وانعكاسه على تداخلات اشتغالات عقولنا على مدار اليوم الواحد، فالهدف في نهاية الأمر هو سعادة هذا الإنسان، وإسعاده كلما حصل على معرفة يعيش طيلة وقته في البحث الدائم عنها، كونها تحدث له المتعة المعرفية التي فطره الله بالبحث الدائم عنها، إلا أننا نجد أن الإنسان البدائي كان أكثر أنساً وألفة وسعادة من إنسان العصر الحديث، بالرغم من كل هذا التطور وهذا السحر التفكري الكوني في تطورات العالم والعلم المذهلة!

فالحكايات والأساطير البديعة ستبقى آثاراً خالدة وفريدة وتشهد على ذاك العصر، يوم كان الوعي البشري يشعر أنه فى تداخل سيال وفي وحدة بهيجة مع الطبيعة، فوقتذاك ببساطة ودون عناء أو عذاب كان الوعي يخضع العالم لروحيته المستفيضة التي لم تستطع في البدايات أن تكون محددة ومحدودة، بل كانت كأنها تلعب وتتمتع ببراءتها بسلطة على الأشياء غير مثقلة نفسها بردود الفعل حول مدى التوافق بين تصوراتها والأشياء الحقيقية، فكل الأفعال التي تتم بصورة تلقائية عفوية وفطرية ليست إلا بحثاً غير مقصود عن كمال الصورة واتساق النسق الداخلي للإنسان وإيقاعه مع الحياة مما يحدث المتعة!.

فرحنا بهذا التطور التقني وثورة الاتصالات وهي بطبيعة الحال نعمة وليست نقمة؛ لأنها اختصرت لنا سبل الاتصال المعرفي والمجتمعي بهذا العالم وببعضنا البعض ولا أحد ينكر ذلك، إلا أننا كعرب جعلناها نقمة فانحرفت عن وظيفتها التي كانت مجالها، وكان ذلك لا يجب أن يكون كوننا كمجتمع عربي نحن من أسس لعلم نادر وهو ما أطلق عليه مصطلح (الشيمة) إذ أنها تخص العربي فهي منتج من نتاج عاداته وتقاليده وأعرافه، كما أنه عززها الدين الإسلامي فأتى متمماً للأخلاق.

ما الذي حدث لنا ولمجتمعاتنا؟، وما هذا الخلل الأخلاقي الذي انطلق تاركاً نوعاً جديداً من الإرهاب الفكري والمجتمعي، بل أصبح أشد بأساً من الإرهاب المسلح، فوقع الكلمة على نفس العربي أشد من وقع السيف لمن لا يعرف ذلك لأنها تمس شرفه والشرف هو أغلى ما يمتلكه، كما دونه تاريخ الشخصية العربية، فالكلمة شرف، والعمل شرف، والعهد والوعد والوظيفة والصلاح والإصلاح وكل مسالك الحياة بالنسبة للعربي شرف، ولذا أصبح هنا نوع من الإرهاب أو قل الإرهاب الفكري الذي يطال الفرد في لحظة خاطفة دون أن يعلم، ويتمم ذلك نوع جديد من مفردات التقدم والتحضر بما يسمى بالحرية الفكرية وحرية الرأي غير المسؤولة كثعابين ملساء في ظليلة ظلماء.

رعب جديد وتعاسة منتظرة إذا ما تركنا هذا السلوك البشري يتفشى بيننا من دون ضابط قانوني أو حتى اجتماعي، فالضبط الاجتماعي كان يلعب دوراً في الماضي القريب حيث الأعراف وحيث نظرة (العيب) والنبذ الذي يتعرض له المخطئ بخلاف القانون القبلي الصارم، أما في يومنا هذا ومع التوازي العالمي والتقاطع معه، حيث وضعنا على خط باهت لا يعبأ بالعادات ولا يتمتع بحضارة فكرية تلزمه بآليات الرقي، وتجعله إنسانا عالميا ومحليا وإقليميا، متنزها ومتفردا بسمات تجعله عربيا بارزا في مجتمع دولي بات واقعا!.

لقد ترك الفرد منا كل هذا الفضاء الواسع من أماكن وشخوص ومعرفة ومفردات معيشية، وضيق الأفق بينه وبين الآخر وكأننا وضعنا في قفص حمام ينقر بعضه بعضا حتى الموت ويبقى القفص برائحة الدم والعفن.

ما هذا التربص واقتناص الأخطاء؟، ثم الترويج لها ثم التضخيم لها حتى تصل في نهاية الأمر إلى فضائح ومساوئ قد لا يكون لها هذا البعد أو ذاك!

لِمَ نمت فينا زهرة التلصص وهي أقبح ما في أعرافنا وفي ديننا وفي سلوكنا، فأصبح ثقب الباب مرصدا لكل شارد ووارد، فتنموا الشائعات وتنكسر الأنفس وتتعطل القدرات وينتشر الكدر ويضيق الأفق، أليس هذا أكبر أنواع الإرهاب؟

نحن من أسس للحرية وللديموقراطية قبل اليونان والرومان وكل شعوب العالم، ثم ها نحن نسبغ عليها سمة التدخل في حياة الناس وخصوصياتهم، نحن من جعل من مفهوم حرية الرأي مسخا مشوها بهذا التجرؤ غير المسؤول في حياة البشر بلا مسؤولية، بالرغم من أن الحرية دائما أبدا مسؤولة ! كان الفنان (بابلو بيكاسو) جالسا بجانب صديقه وبحركة سريعة لمس أنفه، فغضب بيكاسو غضبا شديدا، إلا أن الصديق برر فعلته بأنه حر فقال له بيكاسو: أنت حر ما دمت بعيدا عن أنفي!

هكذا تكون الحرية المسؤولة بالحفاظ على نطاق الشخصي لكل فرد فينا وإلا تحولت المسألة إلى إرهاب فكري بات واضحاً بيننا يجب تداركه وضبطه، بل ومحاربته كما نحارب الإرهاب المسلح.