أشياء كثيرة إذا تركتها تركتك، من أبرزها الاحتراف في الرياضة البدنية والكتابة، ونضيف إليها الآن الغناء، بمناسبة ظهور المطربة المغربية "عزيزة جلال"، بعد أكثر من ثلاثين عاماً من الاعتزال الطوعي، الذي قيل إنه تم بعد زواجها، لكي تتفرغ للأسرة، الشيئ المؤكد في هكذا حالة، أن الجو الفني الآن غير الجو الذي تركته، فلا مؤلفي الكلمات هم مؤلفو الكلمات، ولا الملحنين هم الملحنون. الذين عاصروها أو عاصرتهم، إما أنهم رحلوا عن الدنيا، وإما أنهم انزووا مع ذكرياتهم، فلم يعد الزمن زمنهم، حتى السميعة، الذين كانوا يعيشون أوقاتا جميلة مع صوت "عزيزة جلال"، لم يبق منهم إلا القليل، وهذا القليل إما أنه زهد في الغناء، وإما أنه انشغل بهموم الصحة والأبناء والأحفاد، ما جعله يزهد في كافة المتع، التي كان يقبل عليها أيام تلك الكوكبة الجميلة من أهل الطرب، ومنهم بطبيعة الحال "عزيزة جلال"، المغنية التي أزاحت من طريقها العديد من المطربات، لتتربع وتتسيد ساحة كان الغناء فيها من مستوى "ميادة الحناوي، وفايزة أحمد، وليلى مراد، ووردة، وهدى سلطان، وأسمهان، ونجاة الصغيرة! "الآن الكلمات غير الكلمات، وكتاب الأغنية الكبار الذين كانوا يسعون وراء المواهب الحقيقية كذلك، عزيزة جلال التي أدت "سيدي يا سيد ساداتي وهو الحب لعبة ومستنياك" وعشرات من الأغنيات الجميلة، وهي لو أرادت قادرة على العودة، لكن بشئ من لياقتها التي عرفناها بها، سوف تعود، كما يعود نجم كرة القدم إلى ناديه، الذي شهد تألقه ونجوميته، بعد توقفه أو توقيفه عاما أو عامين، لكن هذا اللاعب لا يمكث إلا قليلا، ثم يركن في دكة الاحتياط، وفي موسم انتقال اللاعبين أو قبله، سوف نجد هذا النجم في فريق درجة ثانية، إن لم يكن في فريق الحواري، كان أكرم للاعب مثل هذا أن يحتفظ بصورته الجميلة، وله أن يكملها بالانخراط في برامج الخدمات الإنسانية. عزيزة جلال التي تخطت الستين لن تستطيع مجاراة "ميريام فارس، وهيفاء وهبي، ونانسي عجرم، وإليسا، وحتى شيرين، وسميرة سعيدة، وأحلام، ونوال" في خفة الحركة، ووصلات الفرفشة، التي تسود حفلاتهن، ولا حتى في الكلام. عند هذه المطربة الصوت، وهو قوي ومؤثر، قطعة من الذهب الحر، قادر على أداء كافة المقامات، مثله الآن قليل، بل نادر، لكن هذا الصوت تنقصه لياقة الآن، نحن الآن في عصر الأغنية الطلقة، الخفيفة، الرشيقة، حتى وإن كانت بلا معنى، أو هدف، عصر "السميعة" سلم الدفة، طائعاً مختاراً، لعصر "الرقيصة" إذا صحت الكلمة!