في الوقت الذي تفجع فيه العشرات والمئات من الأسر بوفيات وإصابات متعددة جراء الحوادث المرورية المتزايدة في الطرقات، فإن مكافحة ومواجهة هذا الأمر أصبح حتمياً والحاجة تدعو لإيجاد حلول ذات منهجية ومعالم محددة خارج إطار الحلول التقليدية التي ظلت تعتمد لسنوات على التوعية والتثقيف المروري وبرامج السلامة المرورية التي أعطت مؤشرات إيجابية لكنها لم تكن كافية للحد من العدد المهول من الحوادث المرورية.

قد تكون المسببات كثيرة ولا تقتصر المسؤولية في ذلك على جهة معينة بذاتها، فتخطيط المدن والطرقات له صلة بذلك، والسلوكيات البشرية أيضاً، وعقوبات الضبط المروري لا تزال ذات تأثير متوسط.

الحل يكمن بوجهة نظري في تبنى مبادرة ذات خطة عمل شاملة واقترح أن يطلق عليها «مبادرة الطرق الصفرية»، تستهدف وضع المعالجات التخطيطية وتحسين جوانب الإدارة المرورية وإعادة النظر في العقوبات والمخالفات السلوكية وصولاً لخفض وفيات وإصابات الحوادث المرورية على الطرق بنسبة صفر %، بحلول العام 2030م.

التجارب العالمية التي تعطي دلالات ومؤشرات إيجابية في أفكار مشابهة لهذه المبادرة تبيّن نتائج مشجعة وتدعو للفأل، ومنها على سبيل المثال تجربة السويد التي أطلقت رؤية «Vision Zero» في العام 1997م، وحققت نجاحاً كبيراً في هذه الرؤية وكان المبدأ الأساسي لها يتمثل في رفع مستوى الصحة والسلامة للوصول إلى طرق سريعة من دون إصابات خطيرة أو وفيات حيث وضعت خطة مشتركة من الجهات والمؤسسات المعنية ومراكز الأبحاث، وحددت الخطة ثلاث مبادرات رئيسة للحدّ من الأخطار على الطرق، وهي:

توحيد العمل الاستراتيجي وإطار ومسؤوليات تنفيذ الخطة.

الاستفادة من التقدم التكنولوجي في المركبات والبنية التحتية.

إعطاء الأولوية للسلامة من خلال اعتماد نهج أنظمة آمنة وخلق ثقافة سلامة إيجابية.

أما التجربة الأكثر حداثة فهي تجربة مدينة نيويورك التي أطلقت أيضاً برنامج رؤية «Vision Zero» الخاص بتخفيض عدد الوفيات بين المشاة في العام 2014م، فعلى مدار أربعة أعوام أصبح هناك تحول ملحوظ في مستوى الأمن والسلامة على طرقات نيويورك حيث انخفضت نسبة الحوادث إلى 44 %، مقارنةً بالمعدل المسجل قبل انطلاق البرنامج كما انخفض إجمالي الوفيات الناجمة عن حوادث المرور بنسبة 27 %، ويهدف البرنامج الذي تبنته نيويورك إلى إعادة صياغة كيفية نظر المدن إلى الوفيات الناجمة عن حوادث المرور وكيف يمكن الوقاية منها ومعالجتها من خلال نهج مشترك يتضمن تصميم الطرق والتواصل مع الجمهور والصرامة في تطبيق إنفاذ القانون.

وقد تميز برنامج الرؤية في نيويورك في الجوانب التالية:

إعادة تصميم الطرق في مدينة نيويورك: حيث تم إعادة تأهيل العديد من الطرقات والشوارع بما يراعي جوانب التخطيط والتصميم العمراني، ومن ذلك تطوير كوينز بوليفارد الذي كان يعرف باسم «بوليفارد أوف ديث» الذي كان يشهد حوادث مميتة.

الاهتمام بعناصر الطرق كممرات الدراجات وحركة المشاة: حيث تم الاهتمام بجوانب تشجيع استخدام الدراجات وممرات المشاة وتوفير مساحة مخصصة وآمنة لهم.

الصرامة في تطبيق قوانين المرور: حيث وجد أهم عامل لنجاح الخطة هو تطبيق القوانين المرورية خصوصاً فيما يتعلق بمخالفات السرعة وعدم التوقف للمشاة وقطع الإشارة وعدم الالتزام بحرم المسارات، واستخدام الهاتف المحمول.

الإرادة السياسية: حيث يتضح من قراءة ما يكتب وينشر عن البرنامج أن تطبيقه لم يكن سهلاً، في ظل وجود ثقافة معينة ومعارضات من جهات مختلفة فلا يزال هذا البرنامج في نيويورك محل جدل على الرغم من نجاحه بسبب الصرامة في تطبيقه.