ما يحدث ينطبق عليه المثل الشعبي تجيك التهايم وأنت نايم، والمسألة لديهم ليست شخصية بقدر ما أنها رغبة في إطلاق قدراتك الكامنة وتفجير مكامن الإبداع لديك. أُبتلينا بمن يجلد موظفي الجهات الحكومية ويعمم عليهم بأنهم كسالى ومهملين وعليهم تطوير ذواتهم بالانتقال للعمل بالقطاع الخاص. ومؤخراً بدأت الهجمة مرة أخرى فأصبح العمل بالقطاع الخاص لا يكفي لتثبت نجاحك، فبدأت الشتائم تنهال على موظفي القطاع الخاص واتهامهم بالفشل، ووصلت في بعضها بوصفهم بالعبودية للوظيفة!

وكل هذا السيل من الشتائم هدفه (نبيل) بغرض (تحفيزك) لبدء عملك الخاص وترك الاعتماد على الوظيفة وهذه الطريقة بالتحفيز العكسي طريقة عجيبة لا أجد مبرراً منطقياً لها يقبله العقل. فحتى يقنعوك بجدوى البدء بتجارتك الخاصة وجدوا أن أسهل طريقة هو شتم وضعك الحالي (حتى وإن كنت موظفاً ناجحاً على الصعيد المالي والعملي) حتى تكره حالتك وتقفز لبحبوحة التجارة حسب اعتقادهم.

التحفيز على العمل الحر سيخلق وظائف أكثر، لكن ما هكذا يا سعدُ تُورَد الإبل. تذكرني هذه الطريقة بالطريق الأقصر لأن تكون بنايتك الأعلى فبدلاً من أن تبني أدواراً جديدة قم بهدم كل ما حولها فتصبح بنايتك شاهقة بين الركام! قبل مدة طرحت سؤالاً بتويتر، ماذا لو عشت في مدينة معزولة كل من فيها يمتهنون التجارة ولا يوجد فيها أي موظف كيف سيكون الحال؟ والنتيجة أنها ستكون تجارة البسطة.. لن تستطيع أن تتقدم خطوة واحدة دون موظفين، والموظفون لن يستمروا معك دون تقديرهم وتقديم بيئة عمل مميزة وراتب مغرٍ وحوافز!

من المغالطات العقيمة أن الموظف يزيد ثروة صاحب العمل دون أن يزيد ثروته! أليس مع زيادة خبرتك تحصل على عروض وظيفية أكبر؟ تحصل على بونص سنوي؟ نسبة من الصفقات التي تحققها؟ علاوات سنوية؟ أسهم في الشركة في بعض الحالات؟ كل هذه زيادة دخل لك لا يمكن تحقيقها دون زيادة دخل الشركة التي تعمل بها أولاً.

ينتهجون سياسة غريبة بمقارنة أسوأ ما في الوظيفة مع أجمل ما في العمل الحر. ويتناسون سلبيات وصعوبات العمل الحر. لو تحول كل السعوديين للعمل الحر وامتنعنا عن الوظائف ستكون النتيجة أننا سنصبح أكبر دولة لخلق الوظائف للأجانب، ولكم أن تتخيلوا أن هؤلاء الغارقين بأسلوب التحفيز العكسي يحفزون شبابنا لريادة الأعمال ويكون أول درس يقدمونه لهم أن الموظفين ليسوا إلا مجرد مجموعة من الفاشلين والمخفقين بتحقيق أحلامهم! فكيف سيبني هذا الريادي بيئة العمل لموظفيه؟ وقبل أن تنتهي مساحة المقال أكبر الشركات العالمية حول العالم تعيّن برواتب خيالية رؤساء تنفيذيين لقيادتها وحسب مدمني التحفيز العكسي هؤلاء التنفيذيون أيضاً فاشلون لأنهم لم يبدؤوا عملهم الحر!