إن التفات القيادة الحكيمة إلى المرأة لتبحث في مجتمعها الأنثوي من عقول زاكيات، وهمم عاليات، كان محط الأنظار، ومثير الإعجاب والافتخار، فليست سفيرة الوطن الغالي في أميركا إلا واحدة من كثيرات يمكننا أن نرفع بهن الرأس، ونفاخر بهن الأمم..

سطّر التاريخ جزءاً من دور المرأة في الخير وفي الشر، ففي الخير كانت أم موسى وأخته وأهله، وامرأة فرعون، وماشطة ابنته! وفي الشر كانت امرأة نوح وامرأة لوط، وهذا مما قص الله تعالى علينا في كتابه إشارة له.

وفي قصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ نبأ وأي نبأ، ففيها مقياس عقل المرأة حين تتولى أمراً ذا أهمية، وتسند إليها ولاية مهمة تقود فيها بلاداً كسبأ في زمانها، حتى تفوقت على ذوي الرأي والمشورة عندها من الرجال، وأبدت لهم الرأي الحصيف، وأنقذتهم من هلاك محتوم لو عملت برأيهم.

وفي السيرة جهد خديجة، ومواساتها للنبي - صلى الله عليه وآله - منذ أول ليلة نزل عليه الوحي فيها، واسته بنفسها وبمالها، وكان رأيها نعم الرأي حين ثبتته بكلماتها العظيمة التي حفظتها كتب السنة والسيرة على مدى الزمان، وكان لها الأثر البليغ في ثبات النبي - صلى الله عليه وآله -، وقد جاءها يرجف فؤاده، حتى سمي العالم الذي توفيت فيه وعمه أبوطالب في السير بعام الحزن، ونالت قريش منه ما لم تكن لتبلغه في وجودهما.

ولا أريد أن أسهب في ذكر النماذج فهي كثيرة جداً، منها الصديقة بنت الصّدّيق - رضي الله عنهما -، وحفصة بنت الفاروق، وبقية أزواجه - صلى الله عليه وآله -، اللاتي أثرين حياتنا بالمنهجية السليمة في حياتنا الإسلامية العظيمة.

ولن نقف عند قصة أم عمارة، ولا أم سُليم، ولا الخنساء، ولا غيرهن من نساء يقف الرجل لهن احتراماً وتقديراً، ويصفق لهن إعجاباً.

وليس المثال موقوفاً على المسلمات القانتات، بل حتى في غيرهن من مختلف الديانات يمكن أن نرى نماذج أنثوية كانت بعقول زاكية دنيا، وإن خالفت ديناً، كأنديرا غاندي، ومارغريت تاتشر، ولن نبعد النجعة في من لا زلن على الحياة مقيدات كمستشارة ألمانيا.

وبعد هذا فإن التفات القيادة الحكيمة إلى المرأة لتبحث في مجتمعها الأنثوي من عقول زاكيات، وهمم عاليات كان محط الأنظار، ومثير الإعجاب والافتخار، فليست سفيرة الوطن الغالي في أميركا إلا واحدة من كثيرات يمكننا أن نرفع بهن الرأس، ونفاخر بهن الأمم، ونعلنها بكل وضوح وبيان أن هذا الدين العظيم لم يكن ليحصر النفع في الرجل، وهو الذي يقول على لسان نبيه عنهن إنهن شقائق الرجال.

ولست أخالف ما تقرر في الكتاب العزيز في قوله (وليس الذكر كالأنثى) فإن السياق هناك غير السياق هنا، والمراد هناك غير المراد هنا، فتأمل وتنبه.

كما لا أخالف تقرير الحبيب - صلى الله عليه وآله - في قوله: "لم أر من ناقصات عقل ودين" الحديث. فإن الحديث لا يقرر ذلك مطلقاً، وإنما شرحه بترك الصلاة، وبالشهادة في الدين، كما هو مقرر في آية الدين، وإنما أشرت إلى هذا حتى لا يظن أني أغفله، أو أريد طمسه، وحتى لا يشهره أحد ما محتجاً به على نبوغ بعض النساء، وكمال عقلهن، فإن هذا أيضاً له سياقه، وموضعه.

وبعد هذا أيضاً فإن وجود صاحبة السمو الملكي الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان في قمة هرم السلطة في سفارة الوطن في الولايات المتحدة، وهي التي يمكن للمرء أن ينظر في حديثها، ويقرأ سيرتها، ويتأمل منطقها، فيعلم يقينا أن القوس قد أعطيت لباريها، ووسدت الأمانة هناك إلى أهلها، وإني على ثقة بما عرفت عنها أنها أهل للمسؤولية، وجديرة بالثقة الملكية، وإني لأدعو المولى جل وعلا أن يسددها، ويوفقها، ويعينها على الحمل، فهو ثقيل، فهي سفيرة بلاد الحرمين، ومهوى أفئدة المسلمين، في بلاد هي أعظم بلاد العالم اليوم وأقواها، والمتحكمة في مصير كثير من بلدان العالم، فالموازنة ليست بالهينة، والمهمة وإن كانت صعبة، فإنها ليست بمستحيلة، ومن استعان بالله أعانه، ومن توكل عليه كفاه. هذا، والله من وراء القصد.