• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 3004 أيام , في الخميس 9 رجب 1427هـ
الخميس 9 رجب 1427هـ - 3 أغسطس 2006م - العدد 13919

ما الذي بقي من مؤسس (أبولو) ..؟

أحمد زكي أبوشادي بعد نصف قرن على رحيله

بيروت - مكتب «الرياض» جهاد فاضل:

    قليل من الشعراء العرب من كان مكثراً مثل الطبيب والعالم البكتريولوجي الشاعر الدكتور أحمد زكي ابوشادي الذي تحتفل الأوساط الأدبية المصرية هذه السنة بمرور خمسين عاماً على وفاته في الولايات المتحدة الامريكية فأحد دواوينه، واسمه «الشفق الباكي»، مجموعة هائلة تضم 1386 صفحة، وهناك دواوين اخرى كثيرة له مثل: «زينب - نفحات من شعر الغناء»، و«مصريات - نخب من شعر الوطنية»، و«انين ورنين أو صور من شعر الشباب»، «وشعر الوجدان: مختارات رائعة»، و«مختارات من وحي العام»، و«أشعة وظلال»، و«أطياف الربيع»، و«أغاني ابوشادي»، و«الشعلة»، «والينبوع»، و«شعر الريف»، و«فوق العباب»، و«الكائن الثاني»، و«عودة الراعي».. هذا بالاضافة إلى قصائد كثيرة منشورة في كراريس مستقلة مثل: «نكبة نافارين: قصيدة تاريخية ،قومية جامعة»، و«مفخرة رشيد»، و«اليوم الرهيب».. وقد ترك ابوشادي اربعة دواوين غير منشورة هي: «ايزيس»، و«النيروز الحر»، و«أناشيد الحياة»، و«الإنسان الجديد»..

أحمد زكي ابوشادي كان اذن شاعراً مكثراً. وقد نوه دارسوه بقدرته على كتابة الشعر بسهولة وسرعة كبيرتين.. ويبدو انه لم يتورع قط عن نشر كل ما يكتب، ومع ذلك فإن نشاطه الشعري الكبير الذي لازمه طول حياته يثير الاعجاب. فقد نوّه كثيرون بوطنيته ونبل روحه، ومن مظاهر ذلك انه في عام 1946م، بعد عدد من الاخفاقات الأدبية، كان أشدها وطأة عليه اغلاق مجلته (ابولو)، هاجر إلى الولايات المتحدة الامريكية، الأمر الذي وضع حداً لنشاطه في مصر، لقد هاجر عن الوطن كثير من الشعراء والأدباء قبل ابوشادي لاسباب سياسية. ولكن هجرته قد تكون اول حادثة احتجاج من نوعها يقوم بها شاعر عربي معاصر ضد العالم الأدبي من حوله.

ولكن واحرّ قلباه! فهذا الشاعر الذي اكثر من نظم الشعر، والذي كان يكتبه بسهولة، كما يجمع دارسوه، لم يبق في تاريخ الأدب العربي المعاصر كشاعر، وانما كناشط أدبي، ان جاز التعبير. فانا لا أعتقد أن أحداً من قراء الأدب العربي المعاصر يحفظ له قصيدة من قصائده، أو بيتاً من قصيدة. وفي ذلك عبرة بالطبع لمن يقذف نتاجه بسرعة إلى المطبعة، متجاهلاً الروية والمواجهة واعادة النظر والحجب عند الضرورة.

ولكن أحمد زكي ابوشادي ان ضاع شعره مع الوقت، أو أهمل، أو تداعى، فقد ملأ عصره نشاطاً وفيراً وسجالات ومعارك مدوية مع كبار أدباء وشعراء زمانه، مثل حافظ وشوقي والعقاد وصاحبيه شكري والمازني.. ومن الاطلاع على وثائق تلك المرحلة الأدبية يبدو ابوشادي مقاتلاً شرساً في الدفاع عن أفكاره، كما يبدو زعيم اتجاه أو تيار أدبي يطلق عليه الدكتور أحمد هيكل «الاتجاه الابتداعي العاطفي» اما التسمية الشائعة لهذا الاتجاه، «فجماعة ابولو» التي كان لها شأن خطير في تطور الأدب العربي المعاصر.

بداية يجب الاشارة إلى العوامل التي هيأت لظهور هذا الاتجاه ومنها الصراع الذي كان قائماً بين المحافظين البيانيين وعلى رأسهم شوقي، والمجددين الذهنيين وفي مقدمتهم العقاد. ومنها أيضاً التأثر بأدباء المهجر. ويمكن ان نعدّ هذا العالم البكتريولوجي والطبيب أحمد زكي ابوشادي تاريخاً لهذا الاتجاه الشعري. وإذا كانت الكائنات المكتملة لاتظهر الا بعد مراحل من الخلق والتكوين، فإن حياة ابوشادي في مصر (1893 - 1912)، ثم في انجلترا (1912 - 1922) كانت في جملتها وتفاصيلها المقدمات والادوار الطبيعية لميلاد هذا الاتجاه على يد هذا الرائد في السنوات التالية. وقد كان ابوشادي جسراً بين جيلين: جيل العقاد، وجيل الأدباء الجدد بعده، وبعثر الباحث في صفحات ديوانه «الشفق الباكي» كما في كتاب آخر له هو «مسرح الأدب»، على صفحات كثيرة تردد فيها اصداء معارك دارت بينه وبين زملائه أدباء وشعراء تلك المرحلة تشهد لابوشادي بالشجاعة والجرأة في قول ما يعتبره حقاً.

ولكن علاقته بهؤلاء الزملاء شهدت مدّاً وجزراً. فهو يشيد حيناً بشوقي ويعتبره شاعراً عظيماً، ليعود بعد حين ويأخذ عليه مآخذ شتى، دون أن يمنعه ذلك من الطلب اليه فيما بعد أن يكون رئيساً شرفياً لجماعة ابولو..

أما حافظ فهو شاعر جليل بمجموع اثره، ولكنه بسلقيته اقرب إلى الناقد الاجتماعي منه إلى الشاعر، وهو بمبادئه للالفاظ يسيء إلى أدبه كما لا يجاري النهضة التجديدية!

على انه رغم اعترافه بفضل المحافظين على النهضة الأدبية، فانه كان يريد لروح التجديد ان تسود، وللانانية التي تسوق الشعراء إلى طلب الشهرة الشخصية، ان تختفي.

ولكن موقفه لم يكن في جملته عادلاً أو مقبولاً في نظر المحافظين. وقد هاجمه حافظ إبراهيم في مجلس من مجالس السمر الأدبية، وصفه بانه «نجار شعر» لاستخدامه، في قصيدة له، كلمتي: «أيضاً»، و«هكذا»..

نشرت ملاحظات حافظ على شعره، فثار وخرج للدفاع عن نفسه في غضبة ساخرة إذ قال: يظهر ان لدينا هيئة لكبار الشعراء نظيرة لهيئة كبار العلماء، رضي الله عنهما، فإن لم يكن لها وجود، فالواجب تكوينها لأن ذلك الشاعر الكبير الذي يحرم أديباً شرف الانتساب إلى الشعر بسبب استعماله لفظتي «أيضاً» و«هكذا» في شعره، لهو جدير حقاً برئاسة هيئة كبار الشعراء، ولابد أيضاً أن يكون ذا استعداد فطري لأن يكون «سبّاكاً» لأن «السبّاك» قرين «النجار».. وهذا شاعرنا الكبير الصديق حافظ إبراهيم بك معروف بسبّاك الشعراء ومشهور بأن نظمه أشبه بالولادة العسرة.. حافظ إبراهيم بك رجل ذو فضل عظيم على النهضة الوطنية، وأنا آخر من يجحد فضله وأدبه ولطفه. ولكن من الحق ان يفهم ان جذوة شاعريته معدودة الآن في حكم العدم!.

واخذ ابوشادي ينقد مرثية حافظ في سعد زغلول، واختار منها نموذجاً وصفه بالعبث الشعري، هو قول حافظ:

ساقت (التايمس) العزاء الينا

وتوخّت في حدّك الاسهابا

ثم توسع في هجومه فتناول أحمد شوقي قائلاً: وليس صاحبه شوقي بأحسن منه كثيراً في سنّه الحاضرة.. فهما اذن آخر من ينتظر منهما التهكم على الشعراء الناشئين!.

ولم يسلم منه، من الشعراء الكبار، سوى شاعر القطرين خليل مطران الذي حظي دائماً باحترامه والذي تسلم الرئاسة الشرفية لجماعة ابولو، بعد رحيل شوقي. ويبدو انه كانت لمطران علاقة صداقة بوالد ابوشادي، وان مطران كانت له ايادٍ بيضاء عليه فيما يتعلق بتنشئته الشعرية.

لم يسكت شوقي على هجوم ابوشادي في البداية، فقد هاجمه في شاعريته ونصحة بالانصراف إلى مهنته كمتخصص في البكتريولوجيا.. ولكن ابوشادي ردّ عليه قائلاً انه إذا صحّ ما يقوله شوقي بك، فيجب ان يعود هو الآخر إلى مهنة المحاماة والقانون.. واضاف: «ليس ذنبنا اننا نختط خطة أدبية خاصة بنا ومذهباً شعرياً مستقلاً، ونكون مدرسة شعرية جديدة».

ابو شادي اذن لديه وعي بأنه يختط في الحياة الأدبية في مصر اتجاهاً جديداً يتجه فيه إلى الشعراء الشباب، وكل ما يهمه عن ذلك تكوين جيل أدبي جديد.

والواقع ان ابحاثه التي يضمها كتابه «مسرح الأدب» تعدّ جهاداً في المعركة الأدبية حول الشعر، واخطرها يدور حول مفهوم الشعر.

وقد هاجم انصار شوقي ابوشادي باعتباره نصيراً للعامية ولكن الواقع لم يكن كذلك على الاطلاق. فقد رفض ابوشادي ان تكون للغة العامية لغة الأدب، ولكنه اتخذ موقفاً وسطاً انتصر فيه المولّدة المصقولة على ألسنة الخاصة حتى لا تموت العربية بسبب صعوبتها إذا وقفنا بها عند الميراث القديم، وعلى الرغم من انه قد ينتج عن ذلك أن تنتصر العامية ولو بعض الانتصار، فقد اعلن صراحة رفضه لانتصار العامية. ولكنه في الوقت نفسه يحرص فيما يبدو على الأسلوب السهل، أو على ما اسماه هو نفسه - وشرحه ودافع عنه - بالطلاقة اللفظية..

كان ابوشادي حريصاً على ما اسماه روح التعاون الأدبي، وقد حبذّ، أو اوجب في سبيل ذلك، نبذ الخلافات الشخصية، والتخلص بل التعالي على روح الانانية التي تدعو هذا الشاعر أو ذاك إلى تأكيد ذاته والارتفاع بها فوق غيره، ويعتبر كل هذه آفات مستنكرة مرذولة.

ونتيجة ايمانه بدعوته، فانه كان يمدّ يده إلى الآخرين، وهو في اشدّ حالات العراك معهم. وقد اسعفته الايام بمصالحة شوقي على مبادئ التعاون فكان أمير الشعراء أول رئيس لجماعة أبولو عند تكوينها.وكانت مجلة ابولو تقدم الشعراء باسمائهم فقط. وعلى صفحات ابولو سقط عن شوقي لقب الامارة. وعدّ ابوشادي ذلك انتصاراً لفكرة التعاون الأدبي. واستفاد ببعض جوانبه في هجومه على العقاد، خاصة عندما بويع بامارة الشعر فيما بعد.

وعلينا أن نتنبه إلى ان جماعة ابولو لم تغير موقفها من الشعر القديم، بسبب مصالحتها لشوقي، وظل موقفها يتلخص بما يلي: ان التراث مهضوم في حدّ ذاته، واللغة مقدسة في حدّ ذاتها. ولكن الصدق والسهولة والابداع الفني كلها شعارات على دروب الحرية الخالقة المبدعة في الفن. اما التقليد والخضوع للقيود القائمة من قبل، فأمر مرفوض، بل كفران بعالم الفن، لأن الابداع الفني قرين الطلاقة في الخيال والفكر والاحساس والشعور واللفظ، مع الافادة من كل القيم الفنية القادرة، في كل عصر وكل مكان، على العطاء، لأن الفن عالمي الروح إنساني الهوية، وليس هناك تقاليد تقيده الا الروح الفنية العالمية المستفادة من الدور الجماعي للإنسان في كل محاولاته الفنية المنطلقة إلى عوالم جديدة مع الحياة في تدافعها وتماوجها.

ومع انه كان من المفترض ان ينشأ حسن جوار أو تعايش سلمي وبين جماعة ابولو وجماعة الديوان (العقاد وصحبه) الا ان الذي حدث هو العكس تماماً. فالاتجاه التجديدي الذي حملته (ابولو) هاجم بضراوة العقاد الذي بقي ممثلاً لجماعة الديوان واوقف الصراع بين جماعة الديوان وبين المحافظين، وعلى رأسهم شوقي، اوقف الاتجاه الجديد، أي جماعة ابولو، على محاسن ومساوئ الاتجاهين السابقين عليه. ومن ثم اختط هذا الاتجاه الجديد لنفسه فهماً ومنهاجاً في الحياة الأدبية مختلفاً عن سابقيه.

من نصوص كثيرة تركها ابوشادي حول موقفه من شوقي والعقاد، يمكننا ان نستنتج انه كان يرى فيهما عقبة امام الأدباء الجدد، وهو يعترف ان من واجبه ان يندّد بسلوكهما، وانه غيّر خطته في ازاحة هذين المغرورين لن تتسع الطريق امام أدباء المستقبل. ومن اطرف ما ذكره انه اعتاد الا يعفي اقرب الناس اليه من نقده، فلماذا يخرج شوقي والعقاد من دائرة هذا القرار؟ ونفهم من نصه التالي: «ليس ذنبنا أننا نختطّ خطة أدبية خاصة بنا، ومذهباً شعرياً مستقلاً، ونكون مدرسة شعرية شعرية» انه كان حريصاً على ان يكون زعيماً أدبياً، لا مجرد مجدّد بين المجددين.. وقد كان عنيفاً على الخصوص في حملته على العقاد وجماعة الديوان. فقد سلب هذا الجماعة كفاحها من أجل التقدم بالشعر والنهوض به، حيث ينسب ذلك لمطران، ويرى انهم قد تعلموا من مطران مثلما تعلم هو منه، ولكنهم ينكرون ذلك..

لقد حاولنا فيما سبق رسم صورة لمناضل أدبي كبير ضخ كمية كبيرة في الحياة الأدبية في مصر في النصف الاول من القرن العشرين، بدأ هذا المناضل حياته متخصصاً بالعلوم وانشأ عدة مجلات متخصصة، غير ابولو، منها مجلة تعني بالنحالة واسمها «عالم النحل». ومع ان عنايته الأدبية انصبت على الشعر، وله فيه أكثر من خمسة عشر ديواناً، الا انه كان شخصية أدبية وناشطاً ثقافياً أكثر مما كان شاعراً كبيراً. فشعره لم يصمد على الزمن، وانما صمدت معاركه الأدبية التي تحدثنا عن بعضها فيما تقدم، ولدرجة القول ان تلك المعارك كانت جزءاً جوهرياً من دار في الحياة الأدبية بمصر في تلك الفترة. ولكن المناضلين، من نوع أحمد زكي ابوشادي، كثيراً ما يتعبون فيتوارون. وهذا عين ما فعله مؤسس ابولو، إذ ترك مصر وساحتها الأدبية وما يدور في هذه الساحة من سجالات وصراعات، وهاجر هجرة نهائية إلى الولايات المتحدة في عام 1946م، وهو العام الذي تلا وضع الحرب العالمية الثانية لاوزارها. ومع ان حياته في الولايات المتحدة لم تخلُ من نضال وعراك، في قضايا الأدب، الا ان سيرته الأدبية والنضالية انما تلتمس في القاهرة والاسكندرية، لا في أمريكا.



عفواً هذه الخدمة متاحة للأعضاء فقط... يرجى تسجيل الدخول أو اضغط هنا للتسجيل
احصل على رابط الخبر عبر رمز الإستجابة السريع QRcode




مختارات من الأرشيف

  • هل الشهادة دليل للكفاءة ؟

    باتت الشهادة مطمعا وحلما بالنسبة للكثيرين في كافة أرجاء العالم، لا يهم فيها العلم المكتسب ولا يهم المهارة ...

نقترح لك المواضيع التالية