احتضنت مدينة أوساكا اليابانية الأسبوع الماضي وبالتحديد خلال الفترة 28-29 من شهر يونيو الماضي، اجتماع قمة دول العشرين G20، وسط انقسامات دولية لم تشهدها القمم السابقة من قبل، وبالذات في ظل الخلافات التجارية القائمة منذ فترة بين أعظم وأضخم قطبي اقتصادين على مستوى العالم (أمريكا والصين).

بطبيعة الحال في ظل الخلاف التجاري المحتدم بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية، بسبب الاختلال في قوى الميزان التجاري بين الدولتين لصالح الصين، وأيضاً في ظل إشكالية الجيل الخامس في مجال تقنية الاتصالات، والتي بسببها دخل العملاق الصيني في صناعة الهواتف النقالة (هواوي) في إشكالات منافسة مع أميركا، سَادت في نقاشات القمة قضية الخلافات والصراعات التجارية بين الدول وانعكاساتها على حرية التجارة العالمية.

والجانب السياسي وبالذات الجيوسياسي كان أيضاً حاضراً بقوة في المناقشات سواء الجماعية أم الثنائية بين الدول، وبالذات المرتبطة بالتوترات والقلاقل السياسية التي تتسبب فيها إيران في منطقة الشرق الأوسط، وما يحدثه ذلك من تهديد أيضاً لتدفق التجارة الدولية عبر مضيق هرمز وخليج عُمان الذي يربط بحر العرب بمضيق هرمز والخليج العربي. والاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية كانا كذلك حاضرين بقوة في المناقشات التي جرت بالقمة، وبالذات المتعلقة بضمان تدفق البيانات والتعاملات التجارية بيسر وسهولة في بيئة آمنة ومأمونة معلوماتياً.

المملكة العربية السعودية قيادة ممثلة في شخص سمو ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان والوفد المرافق معه كانت حاضرة بقوة في القمة، ليس فقط من منطلق أن المملكة عضو فاعل ومهم بالمجموعة فحسب، وإنما لاعتبارات أخرى عديدة التي من بينها اعتبارات اقتصادية ومالية وبما في ذلك سياسية. فالمملكة لا تُعد عضواً هامشياً بالمجموعة منذ تأسيسها في عام 1999، باعتبارها دولة مؤثرة في مجريات الأحداث الاقتصادية والمالية التي تحدث على مستوى العالم، فهي من بين الدول المهمة جداً على مستوى العالم التي تمتلك لمفاتيح استقرار أسواق الطاقة بشكلٍ عام وأسواق النفط بشكلٍ خاص، لا سيما حين النظر إلى حجم احتياطياتها النفطية الضخمة من الزيت الخام، التي تتجاوز 266 بليون برميل، وأيضاً قدرتها الإنتاجية والتصديرية، اللتان تتجاوزا 10 و7 ملايين برميل يومياً على التوالي.

المملكة لا تمتلك قوة نفطية فقط، إنما هي أيضاً تقدم للعالم نموذجاً فريداً من الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي انتهجتها منذ الإعلان عن رؤية المملكة 2030 في شهر أبريل 2016، والتي عكست بنتائج ومؤشرات مالية واقتصادية إيجابية للغاية، حيث قد بدأ الاقتصاد السعودي في حصد ثمارها منذ العام الماضي بتسجيل الناتج المحلي الإجمالي للمملكة نمواً إيجابياً بلغت نسبته 2.2 % بعد تراجع وتباطؤ في أداء الاقتصاد خلال الفترة 2015 - 2017. كما أن المملكة تحتل المرتبة الثالثة على مستوى الاحتياطيات النقدية والأصول السيادية الأخرى على مستوى دول مجموعة العشرين بقيمة بلغت 1.892 تريليون ريال سعودي (505 مليارات دولار أميركي)، هذا إلى جانب أنها الدولة العربية الوحيدة التي انضمنت مؤخراً إلى مجموعة العمل المالي (فاتف).

أخلص القول؛ إن المملكة عضو مهم للغاية في مجموعة دول العشرين بما تمتلكه من مقومات اقتصادية ومالية. ولعل الأهم من ذلك وذاك، ما تتمتع به المملكة من راجحة عقل وحكمة في إدارة شؤونها الاقتصادية وسياساتها المالية، بما في ذلك تجنيب الاقتصاد العالمي مغبة الانزلاق في مشكلات اقتصادية ومالية لا حصر لها، سواء كانت تلك التي لها ارتباط بارتفاع أسعار النفط العالمية أم التي ترتبط بأسباب اقتصادية وتجارية أخرى لم تكن في الحسبان، لا سيما أنها من بين الدول الأعلى المانحة للمساعدات المالية والقروض التنموية على مستوى العالم للدول والمنظمات الدولية، حيث على سبيل المثال قد بلغت قيمة المساعدات الإغاثية التي قدمتها المملكة واستفادت منها 90 دولة على مستوى العالم، 525 مليار ريال سعودي (140 مليار دولار أميركي) خلال العقود الثلاثة الماضية، كما أن المملكة تُعد من بين الدول الأوائل على مستوى العالم التي يستجار بها ويُلجأ إليها في طلب المساعدات الإغاثية وغير الإغاثية في حال تعرض أي من دول العالم لكوارث طبيعية وغير طبيعية، بما في ذلك اقتصادية ومالية.