القوة السياسية صناعة وإرادة فرضتها طبيعة العلاقات الدولية التي تتسم بالفوضى وغياب السلطة، الأمر الذي فرض على الدول السعي بشتى الوسائل والطرق إلى صنع مصادر القوة والعوامل المهنية لتفعيلها، وذلك بوصفها الضمان الحقيقي لأمنها واستقرارها وتحقيق مصالحها، ولعل ما يثبت أن القوة صناعة وإرادة هي قوة كل من اليابان وألمانيا الآن مقارنة بأوضاعها في نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد تمتلك بعض الدول العديد من مصادر القوة كالسكان والموارد والإقليم والعامل المعنوي؛ إلا أنها تفتقد القدرة على إنتاج القوة وإدارتها على الرغم من عراقتها التاريخية وسمو تقاليدها الحضارية.

الدول تمارس قوتها في النطاق الخارجي من خلال أداتين هما (الدبلوماسية والحرب)، وفي ضوء مصادر القوة والتي تحدد الدولة على أساسها أهدافها، وتقرر الاختيار بين هذه الأداة أو تلك من أدوات القوة؛ فالأقوى هي التي تفوز دائماً في الدبلوماسية وفي الحرب، وفي إطار يغلب عليه الصراع، وتغيب عنه السلطة العليا الحاكمة، ولا تعرف لغة المنطق، ولا قيم العدالة والمساواة، ولا معيار الموضوعية، وإنما ثمة هدف واحد هو (المصلحة)، وأداتان هما (الدبلوماسية والحرب).

الدبلوماسية تسبق الحرب وتلازمها وتعقبها، والأولى أن تحقق الدول غايتها وتفرض إرادتها من خلال الأساليب والمهارات الدبلوماسية التي ترتكز إلى قوة فعلية، يمكن التلويح بها أو التهديد باستخدامها دون التورط في الحرب، لما تتطلبه من نفقات وموارد، وما تخلفه من خسائر ومخاطر على كلا الجانبين، وبصفة خاصة بعد شيوع استخدام أسلحة الدمار الشامل وحرص كثير من الدول على امتلاكها.

وعندما تخفق الدبلوماسية في إجبار الطرف الآخر على الإذعان لإرادة الدولة تصبح ضرورة لإثبات القدرة وفرض الاحترام وإجبار الطرف الآخر على الخضوع لإرادة الأقوى، وأثناء ذلك تواصل الدبلوماسية مهامها لإقناع الخصم بضرورة التسليم، وصياغة شروط التسليم، ومعاهدات لعقد الهدنة أو الصلح مع أطراف أخرى تكسبها إلى جانبها أو تحييدها في الصراع الدائر، أو غير ذلك من الجهود الدبلوماسية التي تلازم الحرب، وتساعد على تحقيق أهدافها بأقل الخسائر الممكنة.

وعقب انتهاء الحرب تنشط الدبلوماسية من جديد لصياغة الاتفاقات، وإبرام المعاهدات التي تتضمن اعتراف الطرف الآخر بالهزيمة، وقبوله الخضوع الإرادي لشروط المنتصر، وعلى مقتضى المصلحة القومية تتكامل الدبلوماسية والحرب بوصفهما أداتين للقوة أو وسيلتين لإقناع أو إكراه الطرف الآخر على الامتثال لإرادة الدولة.

هذا التكامل يفسر عدة مظاهر؛ مثل مشاركة الدبلوماسيين والعسكريين في مجالس الأمن القومي وفي تشكيل سياساته، وظهور ما يعرف بالدبلوماسية العسكرية أو دبلوماسية القوة، نتيجة لتعيين العسكريين - بعد انتهاء مدة خدمتهم بالجيش - في السلك الدبلوماسي، وغير ذلك من مظاهر التقارب والتعاون بين الدبلوماسيين والعسكريين، وبصفة خاصة عقب الحرب العالمية الثانية التي جسدت هذه العلاقة الوثيقة بين الدبلوماسية والحرب بوصفهما أداتين للقوة ودعامتين لمفهوم الأمن القومي.