أعلم يقيناً أن كثيراً من الناس لا تستهويهم الكتابة الفلسفية أو الفكرية المضنية، لأن الحياة لم تعد تحتمل مثل هذا الاعتياص الذهني الذي سوف يعانون منه وهم يقرأون أو يتابعون مثل هذه الكتابات.. فالناس اليوم تستهويهم الكتابة السريعة والأفكار السريعة مثلما تستهويهم الوجبات السريعة، وكما أن العقل يجد صعوبة في هضم الأفكار أحياناً، فكثير من بطون الناس أيضاً تجد صعوبة في هضم الأكلات الدسمة.. والسبب أنهم تعودوا على الاسترخاء فلم تعد أمعاؤهم قادرة على الإحراق..

كان الناس يكدحون ويتعبون ويعرقون فيحرقون كل السعرات الحرارية في أجسامهم لذا كانوا يهضمون أي شيء!!، وكذا هي حال العقول، فقد كان الناس في الماضي مهيئين ومستعدين لاستيعاب الأفكار الصعبة وتحليلها، بل وكذا النظريات العلمية والمعادلات الرياضية المعقدة.. أما اليوم فقد تولت الآلة هذه المهمة بالنيابة عنهم، فأصعب النظريات الحسابية يمكن أن تحلها لك الآلة الحاسبة أو المبرمجة رياضياً في لحظات.. ومن ثم وهنت العقول عن الاستيعاب والتفاعل السريع، كما وهنت الأجساد عن حمل الأثقال..

ومن المؤكد أن هناك فئة من الناس قد أدركت ذلك فعملت بجهدٍ ومشقة على مواجهة هذا الخطر الجسدي والعقلي.. فصارت تمارس الرياضة البدنية بشكل منتظم ومستمر كي يبقى الجسد على صحته وقوته وفتوته.. وهؤلاء نجدهم أصحاء أقوياء البنية لأنهم غيروا نمط حياتهم واختلفوا مع الناس الذين طغت عليهم حياة المادة والترف.. فأولئك أبوا إلا المجاهدة والتعب والصبر برضا وقبول، خوفاً على أجسادهم من الأمراض نتيجة الإهمال الذي فرضته روح العصر وحضارته المادية.. وهناك آخرون أيضاً يمارسون النشاط الرياضي الذهني بالتحليل والتعليل والجلوس طويلاً أمام وسائل ومعدات ومعامل البحث العلمي.. فروضوا عقولهم على التحمل والإجهاد والمثابرة..

وهنا يمكن القول إن الناس في عصرنا ينقسمون إلى قسمين؛ قسم المترهلين الخاملين جسدياً وعقلياً، والقسم الآخر هم الذين بحثوا ويبحثون عن الإجهاد والمشقة العقلية عن طريق رياضة الذهن؛ وبالتالي هم المبدعون الحقيقيون الذين صنعوا وأضاؤوا وحملوا مشاعلهم في طريق الحضارة الإنسانية.. وبذا يظلون هم صناع وبُناة المجد الحقيقيون.