عند أي حدث سياسي تنشط القنوات المختلفة في استضافة ضيوف تتم تسميتهم ووصفهم بمحللين أو خبراء، أو أكاديميين للتعليق على ذلك الحدث أو تلك الأزمة من خلال طرح مضامين حوارية تدور بين مقدمي البرامج والضيوف.

وفي واقعنا المحلي يلاحظ أن معظم من يتصدر في ذلك هم إعلاميون (مع التقدير لما يبذلونه من مجهود ومتابعة وحضور) سواء كانوا كتّاباً أو صحفيين أو أساتذة في تخصص الإعلام والعلاقات العامة، أو في مجالات أخرى.. وقد يكون السبب لشح التواجد من قِبل المتخصصين والخبراء والمحللين والأكاديميين في علم السياسة ومجالها وعزوف الكثير منهم عن الحضور في وسائل الإعلام.. وقد يكون أيضاً لتواضع قدرات بعضهم في الحديث والظهور إعلامياً.

وقد يعد التعليق العابر على الحدث السياسي البسيط من قبل مهتم، أو صحفي أو إعلامي مقبولاً في سياقه ومعقولاً في إطاره الإعلامي فقط.. لأن أدوات الإعلامي تختلف تماماً عن أدوات المحلل والخبير السياسي في قراءة الحدث وتفكيك جزئياته والحكم عليه.

والمعلوم أن التحليل السياسي لأي أزمة أو حدث في وسائل الإعلام ليس تعقيباً عابراً، أو شرحاً بسيطاً للوضع الحاصل، أو إبداء رأي بسيط أو تصور سهل تجاه قضية محددة.. وإنما هو عملية ذهنية مرتبطة بعمق التفكير والبحث، ودقة الفهم (ماذا حدث)، وحسن الإدراك (لما يحدث)، ومعرفة الدوافع والمسببات والأسباب والنتائج.

ويتطلب التحليل السياسي استدعاء الماضي، واستقراء الحاضر، واستشراف المستقبل للوصول إلى مقاربة واعية في الاحتمالات الممكنة والمعاني المختلفة لمسارات الأحداث، والتفاعلات، والتجاذبات، والتداخلات وتوضيح كافة العلاقات والخفايا والتفاصيل الكامنة التي لا يعيها المتلقي البسيط ولا يصل إليها.

كما أن المحلل السياسي المختص يهتم بالحدث أو الواقع بشكل دقيق عميق ولا يعتمد على العمل والمحتوى الإعلامي المقدم عبر وسائل الإعلام فقط بل "يتتبع مصادره، ويفكك عناصره الأساسية، ويستطلع المزيد في كوامنه، ويسبر دلالاته، ويستخلص النتائج الممكنة" وبحكم تخصصه السياسي وفهمه لا تخدعه مؤشرات مرتبكة، أو أطروحات زائفة، ولا يميل إلى الأحكام المسبقة، أو القياسات المتشابهة، ولديه قدرة على الإقناع.

أما الإعلامي أو المطلع أو المثقف أو المتابع فهو سيبقى معلقاً وشارحاً فقط وقد يلجأ إلى التهوين المخل أو التهويل المضل فلا يستطيع الخوض في غمار" التعميق السياسي" المناسب.. ومن يتابع القنوات هنا أو هناك سيجد أن غير المتخصص السياسي يبقى صوتياً ومتحدثاً بانفعال وعاطفة لا تصل إلى الوعي بحقيقة الحدث وتفاصيله فيكرر أفكاره وأطروحاته بلا تحليل مهني أو إثراء أو إضافة.

نحن اليوم لسنا بحاجة إلى إعلاميين يتم إقحامهم وإحراجهم في قضايا التحليل والتعليق السياسي في البرامج كونهم يسهل الوصول إليهم ومتاحين للظهور الإعلامي والحديث في أي قضية.. بل نحتاج إلى صناعة وتدريب وتمكين فريق من المحللين السياسيين المتخصصين في قضايا محددة يكونون مرجعيات وخبراء في ذلك.. وقادرين على الظهور الإعلامي في كل وسيلة وقناة بقوة.. ودعمهم بكافة الأدوات اللازمة المعينة لهم في إبراز الشخصية السياسية المناسبة ونقل رسالتنا بالحجة والبرهان للآخرين.