نلحظ أن وزارة الصحة وضمن مبادراتها في الرؤية تريد أن تتحول إلى مشرع ومطور للخدمات والأنظمة الصحية وليس مقدماً لها، وفي تطويرها للخدمات الصحية تريد الاعتماد على الحكومة الإلكترونية، والملف الصحي الإلكتروني الموحد، ومكننة الإجراءات، وتطويع التقنية..

​​​الصحة عنصر مهم في الحياة الاجتماعية، وتطور الخدمات الصحية في أي مجتمع يوحي بتطور أفراده ونموهم، فكلما ارتفعت الخدمات الصحية في أي مجتمع، كلما كان ذلك مؤشراً على تحسن صحة أفراده. وتقع مسؤولية العناية الصحية والوقائية في المملكة على عاتق وزارة الصحة التي تعد من أكثر الوزارات التي تعرضت للتغيير على مستوى القيادات، وحتى على مستوى السياسات وإعادة الهيكلة حرصاً من الدولة على تقديم أفضل الخدمات الصحية للمواطنين. كما أن وزارة الصحة تعد من أكثر الجهات الحكومية التي تتعرض للانتقاد من المستفيدين من خدماتها، فكم قرأنا عن أخطاء طبية، ومخالفات في بعض المستشفيات والمراكز الطبية وصلت إلى حد الوفاة أو الإعاقة الدائمة.

وهذا المقال ليس الهدف منه عرض المخالفات والأخطاء الطبية أو الدفاع عنها، فسيبقى موضوع الصحة والمرض من أكثر الجوانب عرضة للنقد والخطأ خاصة أن المستشفيات والمراكز الصحية الأخرى تتعامل في بعض الأحيان مع أمراض مستعصية وكبار في السن، وحالات متنوعة من الأمراض، فمن الطبيعي أن تكون هناك تجاوزات أو شكاوى ممن يعتقدون أن هذا المستشفى أو ذاك لم يقم بعمله على الوجه الأكمل.

فوزارة الصحة تعيش في الوقت الحاضر مرحلة انتقالية جديدة، مع رؤية المملكة 2030 وبرنامج التحول الوطني، وقد سنحت لي الفرصة للاطلاع على عدد من الجوانب التي تخطط وزارة الصحة لتنفيذها خلال الفترة القادمة، فوجدت الكثير من الإيجابيات التي تستحق الانتظار ومعرفة العائد منها على الصحة والمواطن من الجانبين العلاجي والوقائي.

وابتداء لابد من الاعتراف بأن خطط التنمية التسع الماضية بما فيها الخطة العاشرة الحالية قد وضعت الجوانب الصحية في أهم أولوياتها، بل إن الخطة العاشرة حددت هدفاً استراتيجياً يتمثل في التأكيد على ضرورة توفير الرعاية الصحية الشاملة والمتكاملة ذات الجودة العالية لجميع السكان، وتيسير الحصول عليها، والتوسع في توفير الرعاية الصحية الأولية والعلاجية وتحقيـق التـوازن فـي توزيعهـا بيـن مناطـق المملكة، ورفع مستوى الاستفادة من نظام الصحة الإلكتروني، والحد من المركزية في إدارة المرافق الصحية وتشغيلها، والبدء في تطبيق الضمان الصحي التعاوني، والتوسع في توطين الوظائف الصحية، وتعزيز دور القطاع الخاص في تقديم الخدمات الصحية، ثم جاءت رؤية المملكة 2030 وبرنامج التحول الوطني لتنضم إلى خطة التنمية العاشرة لتقدم عدداً من المبادرات الهادفة إلى الاستمرار في تطوير الخدمات الصحية، فجاء إنشاء برنامج تحسين الملفات الطبية، وإنشاء البوابة الإلكترونية الموحدة للخدمات الصحية، والذي يتم من خلالهما تنفيذ العديد من المشروعات الطبية إلكترونياً ليؤكدا ترابط برنامج التحول الوطني ومشروعاته مع خطة التنمية العاشرة. وقليل من المهتمين يعرف أن وزارة الصحة هي ربما الجهة الحكومية الوحيدة التي لديها وكالة للصحة الإلكترونية، والذي يندرج من ضمن اهتماماتها مشروع البوابة الإلكترونية وجميع الأنظمة الإلكترونية الصحية الأخرى.

ونلحظ أن وزارة الصحة وضمن مبادراتها في الرؤية تريد أن تتحول إلى مشرع ومطور للخدمات والأنظمة الصحية وليس مقدماً لها، وفي تطويرها للخدمات الصحية تريد الاعتماد على الحكومة الإلكترونية، والملف الصحي الإلكتروني الموحد، ومكننة الإجراءات، وتطويع التقنية لتشمل برامج الإبلاغ عن الأخطاء الطبية الجسيمة، وإدارة الأسرّة بالمستشفيات، وقياس رضا المرضى، والمراجعة الإكلينيكية، وإدارة ملف الطبيب الإلكتروني، وعمليات اليوم الواحد، فكيف يتم لها ذلك؟ فليس من السهل إقناع الآخرين بأن وزارة الصحة ستتخلى عن التقديم المباشر للخدمات الصحية وهم قد تعودوا عليها سنوات طويلة، ثم ما الكيفية التي سيتم بها تقديم الخدمات الصحية للمواطنين؟

أسئلة كثيرة تتطلب إجابات مقنعة من المسؤولين في وزارة الصحة قبل الانتقال إلى المرحلة الجديدة، فوزارة الصحة تختلف كثيراً عن الوزارات الأخرى فهي تتعامل مع المرضى وكبار السن وفي أحرج أوقاتهم، وأضعف حالاتهم. نحن بحاجة في البداية إلى رفع مستوى الثقافة والوعي العام بخدمات وإنجازات وزارة الصحة، وتحسين الصورة الذهنية للمستفيدين من خدماتها، وقياس رضاهم، والتعرف على التعليقات والآراء التي تناولت جهود الوزارة خلال السنوات الماضية ليمكن معرفة جوانب القوة والضعف فيها ثم البناء على ما يتم التوصل إليه من نتائج لتصميم استراتيجية شاملة تضمن الإنسيابية في الانتقال إلى المرحلة المحورية الجديدة، مع ضرورة تطمين المستفيدين بأن الخدمات الصحية ستبقى مجانية بأساليب وطرق مختلفة، وإنما الهدف تطوير الخدمات الصحية ورفع كفاءتها، وتقليل الهدر المالي الذي كان يحدث في السنوات الماضية.. وهذا هو ما يتوافق مع برنامج التحول الوطني ورؤية المملكة 2030.